Saturday, February 10, 2007

الوهابية صنيعة اليهود والنصارى


يصعب على المسلم أن يتصور لحىً طويلة، ومآزر إلى أنصاف الساقين تتباكى في حرم الله الآمن، بمكة المكرمة؛ وتكون في ذات الوقت صنيعة من صنائع اليهود والنصارى علمت بذلك أم لم تعلم، ولكنها الحقيقة المؤلمة المتمثلة في الوهابية،
نعم نقول ذلك وبثقة كبيرة، وبأدلة مقنعة سنسرد شيئاً منها في هذا المقال، ونعتذر عن بعضها الآخر إذ ليس كل ما هو صحيح يمكن أن يقال، ونعلم في ذات الوقت أن هناك الكثير من أهل النيات الطيبة يسيرون في خطى الوهابية وقد غُرِّرَ بهم لسبب أو لآخر، وبعض جهدنا هذا هو لإنقاذ هؤلاء من براثن الفتنة الوهابية قبل أن تحتويهم بسرطانها الخبيث.
· من حيث التنظير فقد اهتمت العقيدة الوهابية اهتماماً كبيراً بعقيدة التجسيم، وهي عقيدة نصرانية محضة، استقاها ابن تيمية من خلال الترجمات للكتب النصرانية ولا غرو فقد كانت بلاده حران مركزاً شهيراً لترجمة كتب اليونان، ولقد حكم علماء أهل الشام بضلال ابن تيمية لعقيدته الفاسدة، وأودع سجن القلعة الشهير إلى أن مات؛ ولقد أحيا الوهابية هذه العقيدة النصرانية، وتم استعراض الناس في جزيرة العرب بالسيف لاعتناقها، واستحلوا دماء الموحدين وأموالهم في سبيل ذلك.
· أما من حيث الواقع العملي فقد كان الجيش الوهابي يلقى الدعم والتدريب مباشرة من وزارة المستعمرات بالهند، وقد سلَّم جون فيلبي إلى أمير الوهابية مبالغ طائلة من الجنيهات الذهبية، وريالات ماريا تريزا، كما كانت المساعدات السنوية للوهابية تبلغ ستين ألف ريال، ولدى بدء العدوان البريطاني على البصرة تم صرف مائة ألف ريال من بريطانيا للوهابية للبدء بتجنيد القبائل، لحرب ابن رشيد ومشاغلته عن نجدة قوات المسلمين بالبصرة، مع تعهد الإنكليز بتوفير المشورة[1]، ووصلت الأسلحة تباعاً بعد ذلك، ولما نشبت المعركة كان العميل البريطاني جون فيلبي الذي خطط للمعركة يراقب سير المعركة من برج قريب مخافة أن يصيبه ما أصاب سلفه شكسبير.[2]
لماذا كل هذا الولع من بريطانيا بالوهابية؟!
أولاً: لقد علمت بريطانيا أن لا حياة لها في جزيرة العرب – ذات المستقبل الزاهر بالذهب الأسود – إلا بقتل الجهاد؛ فهي ما تزال جراحها تنـزف من سِهام مسلمي شبه القارة الهندية ! أفتتركه يكون عائقاً أيضاً في جزيرة العرب؟!
إنَّ الإنجليز الذين لا تنقصهم دروس الدهاء والمكر رأوا في الحركة الوهابية الناشئة، المولعة بالتوسع خير من يشغل المسلمين عن الجهاد، فأمدتهم بريطانيا بالمال والسلاح والقادة النصارى، وأصبح الجهاد في العقيدة الوهابية حرباً طاحنة بين المسلمين بدعوى البدعة والشرك. ومن يقرأ حروب الوهابية في أرض الجزيرة العربية وما حولها يلاحظ ذلك بجلاء، فخلال تأريخ الوهابية كله لم يسجل لها التاريخ مواجهة واحدة مع اليهود أو النصارى، فيحني الوهابية للنصارى رؤوسهم حتى عندما يؤدبهم الإنجليز ساعة تجاوزهم الحدود المرسومة لهم[3]!! بل سِجلّهم حافل بقتل أهل مكة والطائف والمدينة المنورة وقطر والكويت وعمان والبصرة وبلاد الشام واليمن وكل من نالته أيديهم من المسلمين كالمغاربة والمصريين والإيرانيين والأتراك، وهم يتفاخرون بهذا التاريخ الدامي – من غير خجل - في مؤلفاتهم!
ثانياً: كانت الدولة العثمانية شجاً في حلوق النصارى واليهود، فكانت إحدى الخطط لهدمها استخدام الوهابية لتقليص نفوذهم في البلاد العربية، فكانوا سندهم المادي والمعنوي. ولما رأى النصارى واليهود انتصارات محمد علي على الوهابية وأنه قاضٍ عليهم لا محالة - مثلما كاد أن يقضي عليهم عام 1818م حين احتلت قواته الدرعية وأرسل أميرها إلى استنبول ليقطع رأسه هناك - هرعت إنجلترا والنمسا وروسيا لعقد مؤتمر طارئ في صيف عام 1840م دعو إليه تركيا لمناقشة الوضع والوصول إلى تسوية‍!
وقد قام الوهابية بدورهم المرسوم خير قيام فقد كانت معاركهم في شمال نجد ضارية ضد آل رشيد الموالين للسلطة العثمانية، وقد حاول العثمانيون إطفاء نار الفتنة سنة 1914م فاعترفوا بسلطة الوهابية على نجد، ولما طلب أنور باشا باسم الدولة التركية، وحسب اتفاق سابق بينه وبين الوهابية أن يشتركوا في الدفاع عن البصرة ضد الاحتلال الإنجليزي أجابوه بأنهم مشغولون بقتال ابن رشيد![4] ولقد علَّقت وزارة الهند الإنجليزية بتاريخ 31 كانون الثاني 1915م بالرضى على ذلك، والشكر لمشاغلة ابن رشيد عن نصرة العثمانيين، وأكثر من هذا فقد جاء في شهادة المستر كينيث توماس أن زعيم الوهابية كان حليفاً دائما لبريطانيا (وساند البريطانيين وحلفاءهم، ودرَّب جيشاً في العمليات الحربية ضد الأتراك سنتي 1914 و1915م)[5].
وعندما عجزت بريطانيا عن إكراه العراقيين على قبول الانتداب البريطاني سنة 1922 كما ذكر السيد عبدالرزاق الحسني في كتابه (تاريخ الوزارات العراقية) ما كان من بريطانيا إلا أن حركت عملاءها الوهابية للإغارة على أطراف عشائر المنتفق[6] ليلة 11 مارس، ليرتمي العراقيون في أحضان بريطانيا كي لا تتكرر مآسيهم، فبعض الشرِّ أهون من بعضِ. وفعلاً تمَّ ما أرادته بريطانيا بفضل الوهابية!
ولأن الشيء بالشيء يذكر فلا بدَّ أن نعيد هنا نشر برقية أمير الوهابية في نجد إلى المندوب البريطاني السير برسي كوكس ابتهاجاً بمناسبة احتلال الإنكليز للبصرة وانتزاعها من أيدي المسلمين قال فيها: (سيدي برسي كوكس مندوب بريطانيا العظمى دام عزها.
دخول جيوشكم الإنكليزية العظيمة للعراق نصر مبين للمسلمين، وعزٌّ مكينٌ لنا. عبوديتنا وخدمتنا لبريطانيا العظمى وولاؤنا لكم إلى الأبد)[7]
وقد حاول الوهابية خدمة الإنكليز حتى خارج إطار المنطقة العربية، وذلك بحل عقدتهم مع مسلمي شبه القارة الهندية، فقد ذكر الدكتور صلاح العقاد بأن أمير الوهابية أرسل ابنه لتشجيع مسلمي الهند للقتال في صفوف الإنكليز في معركة العلمين.[8]
لهذا فلا غرو أن يهتم النصارى الإنجليز بمساندة الوهابية في كل موقف، وحينما رأوا أن جيش الإخوان قد يقضي على آمالهم باكتشافه التواطؤ مع النصارى سارعت بريطانيا علناً لقصفهم والقضاء عليهم عام 1930م.
--------------------------------------------------------------------------------
[1] ديكسون، الكويت وجاراتها، وقد ذكر أن الكولونيل هاملتون والكولونيل كانليف أوين ممثلي المخابرات البريطانية قد انطلقا إلى نجد لهذه المهمة
[2] خيري حماد، (عبدالله فيلبي )، ص 215
[3] ومثال ذلك تصرف الوهابية عندما أدبهم الإنجليز بسبب قتل بعض رعاياهم الهنود في مدينة صور العمانية، فتذلل الوهابية للإنجليز مباشرة وأظهروا الندم، ولم تكترث بريطانيا قبل ذلك وبعده بقتل الوهابية لأهل الجزيرة!!
[4] الخطيب، صفحات من تاريخ الجزيرة، دار المعراج ص 226
[5] المصدر السابق، ص 226وقد ذكر نصوص الرسائل موثقة
[6] وتنطق بالشين وهم كم سكاني كبير أغلبهم رعاة (شواوي) يقيمون بين السماوة وبحيرة حمار، وهم عدَّة قبائل أكبرها: البوعلي والأجوَد وبنو مالك وبنو حكيم، وإمارتهم كانت لآل السعدون (ينسبون أنفسهم للبيت النبوي) يراجع الشيخ صبغة الله الحيدري (عنوان المجد في أحوال بصرة وبغداد ونجد) والمحامي عباس العزاوي في كتابيه: (عشائر العراق) و(العراق بين احتلالين).
[7] الخطيب، صفحات من تاريخ الجزيرة، ص 98 وقد ذكر مصادره
[8] د. صلاح العقاد، جزيرة العرب في العصر الحديث، معهد البحوث والدراسات العربية، القاهرة ص 85.تأليف الاستاذ عبدالله القحطاني الوهابية صنيعة اليهود والنصارى .______________________________________________اللهم أحفظ لنا لسان الشيعة الشيخ احمد الوائلي (حفظه الله).نعم انها صنيعة المخابرات البريطانية
كتبت " مجلة المنوعات الأدبية " الروسية في عام 1805 تقول : " قبل حوالي نصف قرن أسس هذه الطائفة ـ المقصود الوهابية ـ شيخ عربي اسمه محمد . ويؤكد الوهابيون أنه ابن عبد الوهاب بن سليمان . وتقول رواية قديمة أن سليمان هذا ، وهو أعرابي فقير من قبيلة نجدية صغيرة ، قد رأى في المنام أن لهباً اندلع من بدنه وانتشر في البراري على مسافات بعيدة ملتهما في طريقه الخيام في البوادي والمنازل في المدن . ارتعب سليمان من هذا الحلم وطلب له تفسيراً من شيوخ قبيلته الذين اعتبروه بشير خير، واخبروه بان ابنه سيكون مؤسساً لمذهب جديد يعتنقه أعراب البادية وأن هؤلاء الأعراب سيخضعون سكان المدن . وقد تحقق هذا الحلم ليس بشخص بن سليمان عبد الوهاب ، بل بشخص حفيده الشيخ محمد " ( 1 ) .
ولد مؤسس التيار الديني الاجتماعي السياسي الذي يسمى بالوهابية في الجزيرة العربية عام 1703/1704 في عائلة دينية في العينية ( 2 ) . كان والده عبد الوهاب بن سليمان قاضيا شرعيا . وكان هو المعلم الأول لابنه . وكان أخوه سليمان بن عبد الوهاب قد ذكر للمؤرخ ابن غنام أن مؤسس الطائفة الإسلامية الجديدة المرتقب قد كشف في طفولته عن مواهب كبيرة و حفظ القرآن قبل أن يبلغ العاشرة من العمر .
واطلع الصبي على تفسير القرآن والحديث وسيرة النبي ، وفي الثانية عشر بلغ محمد سن الرشد فزوجه أبوه .
و بعد الزواج أدى فريضة الحج بموافقة أبيه . وفيما بعد قضى شهرين في المدينة المنورة ثم عاد إلى أهله . وطاف كثيرا في الأقطار المجاورة وزار الحجاز والبصرة مرارا ثم عاش في الإحساء ( 3 ) .
وتعلم في المدينة على يد شخص يدعي عبد الله بن إبراهيم بن سيف ، وهو من وجهاء واحة المجمعة في سدير . وتحدث محمد بن عبد الوهاب فيما بعد قائلا : " كنت عنده يوما فقال لي : تريد أن أريك سلاحا أعددته للمجمعة ؟ قلت : نعم . فأدخلني منزلا عنده فيه كتب كثيرة . وقال : هذا الذي اعددنا لها … " ( 4 ) .
ولمح ابن عبد الوهاب بذلك إلى أن معلمه في المدينة كان يعد سلاحا فكريا لمحاربة المعتقدات السائدة في واحته.
وعندما كان ابن عبد الوهاب في البصرة دعا إلى العودة إلى أصول التوحيد الحقيقي للإسلام . " وتجمع عليه أناس في البصرة من رؤسائها فآذوه وأخرجوه منه " ( 5 ) . وفي الطريق من البصرة إلى الزبير كاد يموت عطشا ، إلا أن أحد سكان الزبير أنقذه ( 6 ) .
و بعد ذلك عاش ابن عبد الوهاب بعض الوقت في الإحساء عند العالم الديني عبد الله بن عبد اللطيف . ثم توجه إلى واحة حريملا في نجد . وفي عام 1726/1727 انتقل إلى هذه الواحة أبوه بسبب خلافه مع حاكم العينية الجديد الذي استولى على السلطة بعد وفاة الأمير السابق حامي العلماء ( 7 ) .
و في حريملا اخذ ابن عبد الوهاب يبشر بأفكاره بنشاط جديد ، حتى انه كان يتجادل مع أبيه . وأمضى في هذه الواحة عدة سنوات ، وفي هذه الفترة ألف كتاب " التوحيد " ويقول ابن غنام عنه : " اشتهر حاله في جميع بلدان العارضفي ... العينية والدرعية ومنفوحة ... وكان الناس عند ذلك حزبين وانقسموا فيه إلى فريقين ، فريق أحبه وما دعا إليه فعاهد على ذلك وبايعه وحذا حذوه وتابعه وفريق أنكر ذلك عليه " ( 8 ) .
و في عام 1740/1741 توفى والده فصار محمد على ما يبدو، قاضيا بدل أبيه . وكانت حريملا آنذاك مقسمة بين فخذين ربما كانا مستقلين عن بعضهما البعض . وأثارت دعوة محمد بن عبد الوهاب تذمر بعض سكان الواحة .
و كتب المستشرقون الأوربيون عن رحلات ابن عبد الوهاب إلى بغداد وبعض المدن الإيرانية ودمشق . وانعكست هذه المعلومات كذلك في " دائرة المعارف الإسلامية " . وفي عام 1933 كتب المستشرق المعروف مارغيوث عن هذه الرحلات في مقالة بعنوان " الوهابية " اعتمد فيها على مصنف " لمع الشهاب " .
و يفيد " لمع الشهاب " أن ابن عبد الوهاب توجه في رحلته وهو في السابعة والثلاثين من العمر . وأمضى ست سنوات تقريبا في البصرة ، خمس سنوات في بغداد وحوالي السنة في كردستان وسنتين في همدان ( إيران ) . وفي بداية عهد نادر شاه انتقل إلى أصفهان حيث أمضى سبع سنوات، وعاش في قم ومدن إيرانية أخرى ، وقضى ستة اشهر في حلب وسنة في دمشق وبعض الوقت في القدس وسنتين في القاهرة ، ثم وصل إلى مكة وعاد إلى نجد ، وأمضى سنة ونصفا أو سنتين في القاهرة ، ثم وصل مكة وعاد إلى نجد ، وأمضى سنة ونصف تقريبا في اليمامة ، وفي سنة 1150 هجرية (1737/1738ميلادية) استقر في العينية . وتوفى في سنة 1212 (1797/1798ميلادية) كما يقول صاحب " لمع الشهاب " .
و يؤكد مؤلف هذا الكتاب أن محمد بن عبد الوهاب كان يغير اسمه طوال الوقت . ففي البصرة اسمه عبد الله، وفي بغداد احمد وفي كردستان محمد وفي همدان يوسف ( 9 ) .
و ينسب مؤرخو الوهابية و منجين عودة ابن عبد الوهاب إلى نجد في الثلاثينات . ويؤكد أخبارهم كذلك المؤرخ الحجازي في القرن التاسع عشر ابن زيني دحلان . فقد كتب أن ابن عبد الوهاب بدأ يبشر بمذهبه في نجد عام 1730/1731(12).
و في معمعان إخضاع الإحساء ، في عام 1792، توفى مؤسس الوهابية محمد بن عبد الوهاب ( 34 ) . و يشير مؤلف " لمع الشهاب " إلى نقطة هامة أخرى وهي أن محمد بن عبد الوهاب بالذات علم سكان الدرعية ، كما يزعمون على صنع واستخدام السلاح الناري (1037) ، وهذا ما تعلمه مؤسس الوهابية من الجاسوس البريطاني همفر الذي كانت تربطه بمؤسس الوهابية علاقة وثيقة و متينة .
كان محمد بن عبد الوهاب يتحلى بهمة حياتية فائقة . ويقول منجين انه كان يهوى النساء وله عشرون زوجة انجب منهن 18 طفلا ( 11) . وقد غدا خمسة من أبنائه وكثير من أحفاده فقهاء معروفين . وترك محمد بن عبد الوهاب لورثته أرضا فيه نخيل وأشجار فاكهة وحقول تبلغ عائداتها السنوية 50 ألف درهم ذهبي ، بالإضافة إلى مكتبة تضم بضع مئات من الكتب . وبعد وفاته صار ابنه حسين ، وهو ضرير تقريبا ، مفتيا للدرعية ، وبعده شغل المنصب أخوه .
إن أسرة الفقهاء التي صارت فيما بعد تسمى آل الشيخ قد احتفظت بوزنها و نفوذها و مكانتها في الدولة السعودية حتى اليوم .

المصادر:

1. مجلة المنوعات الأدبية ، 1805، المجلد 2، رقم 1، ص20 باللغة الروسية.
2. ابن غنام . تاريخ نجد ، ج1، ص25. أيضا ابن بشر . عنوان المجد ، ج1، ص6.
3. ابن غنام. تاريخ نجد، ج1، ص25-26. أيضا ابن بشر. عنوان المجد، ج1 ،ص6-7.
4. ابن بشر. عنوان المجد، ج1، ص7.
5. نفس المرجع، ص8. أيضا ابن غنام. تاريخ نجد، ج1، ص28.
6. ابن بشر. عنوان المجد، ج1، ص8.
7. نفس المرجع.
8. ابن غنام. تاريخ نجد، ج1، ص29-30.
9. لمع الشهاب. ص7-32.
10. لمع الشهاب. ص67.
11. Mengin F. Histoire de l`Egypt. Vol. 2, p.506 . يشير لمع الشهاب ، 265-266 إلى أن محمد بن عبد الوهاب خلف أربعة أبناء وست بنات . وهذا لا يخالف ما ذكره ( منجين ) لأن من المحتمل أن بعض الأولاد قد توفوا قبل وفاة أبيهم .
_____________________________________________اللهم أحفظ لنا الحبر الفهامة المجتهد العلامة الفقيه آيــــــــة اللـهالسيد منير الخباز(دام ظله) بحق محمد وآل محمـــــــــــــــــــــــــد.قائمه باسماء بعض الكتب
السنيه فى الرد على الطغمه الوهابيه.
_________________________________________________
1- الاصول الاربعه فى ترديد الوهابيه: الخواجه السرهندى.2 - اظهار العقوق ممن منع التوسل بالنبى والولى الصدوق:الشيخ المشرفى المالكى الجزائرى.3 - الاقوال المرضيه فى الرد على الوهابيه: محمد عطااللّه.4 - الانتصار للاولياء الابرار: الشيخ طاهر سنبل الحنفى.5 - الاوراق البغداديه فى الحوادث النجديه: الشيخ ابراهيمالراوى.6 - البراهين الساطعه: الشيخ سلامه العزامى.7 - البصائر لمنكرى التوسل: الشيخ حمد اللّه الداجوى.8 - تاريخ آل سعود: ناصر السعيد.9 - تجريد سيف الجهاد لمدعى الاجتهاد: الشيخ عبداللّه بنعبد اللطيف الشافعى.10 - تحريض الاغبياء على الاستغاثه بالانبياء والاولياء: الشيخعبداللّه بن ابراهيم ميرغينى.11 - تهكم المقلدين بمن ادعى تجديد الدين: الشيخ المحققمحمد بن عبد الرحمن الحنبلى.12 - التوسل بالنبى وبالصالحين: ابو حامد بن مرزوق.13 - جلال الحق فى كشف احوال شرار الخلق: الشيخ ابراهيمحلمى.14 - الحقائق الاسلاميه فى الرد على المزاعم الوهابيه بادلهالكتاب والسنه النبويه: مالك داود.15 - خلاصه الكلام فى امراء البلد الحرام: السيد احمد بن زينىدحلان مفتى مكه.16 - الدرر السنيه فى الرد على الوهابيه: السيد احمد بن زينىدحلان.17 - رد على محمد بن عبد الوهاب: الشيخ اسماعيل التميمىالمالكى التونسى.18 - الرد على الوهابيه: الفقيه الحنبلى عبد المحسنالاشيقرى.19 -رد على الوهابيه: الشيخ ابراهيم بن عبد القادر الرياحىالتونسى المالكى.20 - رسائل فى الرد على الوهابيه: وهى رسائل كثيره يصعباحصاوها، وفى طليعتها رسائل المعاصرين لمحمد بن عبدالوهاب وبالخصوص ما كتبه فقهاء الحنابله فى الرد عليه. وقدورد الكثير من هذه الرسائل فى كتاب: (التوسل بالنبىوبالصالحين) لابى حامد مرزوق، وكتاب (الدرر السنيه فى الردعلى الوهابيه) لاحمد بن زينى دحلان، وكتاب (علماءالمسلمين والوهابيون) للاستاذ حسين حلمى ايشيق.21 - سعاده الدارين فى الرد على الفرقتين الوهابيه ومقلدهالظاهريه: الشيخ ابراهيم بن عثمان السمنودى المصرى.22 - السيف الباتر لعنق المنكر على الاكابر: ابو حامد مرزوق.23 - سيف الجبار المسلول على اعداء الابرار: شاه فضل رسولالقادرى.24 - صلح الاخوان فى الرد على من قال بالشرك والكفران:الشيخ داود بن سليمان البغدادى.25 - الصواعق الالهيه فى الرد على الوهابيه: الشيخ سليمان بنعبد الوهاب شقيق محمد بن عبد الوهاب.26 - فتنه الوهابيه: احمد بن زينى دحلان.27 - الفجر الصادق: الشيخ جميل صدقى الزهاوى.28 - فصل الخطاب فى الرد على محمد بن عبد الوهاب: الشيخسليمان بن عبد الوهاب شقيق محمد بن عبد الوهاب.تاريخ الوهابية

* التعريف : فرقة من الفرق الاسلامية السنية، ظهرت في قلب الصحراء العربية سنة (1143 هـ) اسسها محمد بن عبد الوهاب احياءً لمذهب (ابن تيمية) المبني على أساس الفقه الحنبلي، وهي من الفرق السلفية التي تدعو للعودة الى الدين الاسلامي الصحيح المستمد من القرآن والحديث، ولكنها طعنت في عقائد المسلمين وكفرت بعضهم.
* عوامل الظهور : ـ أدخل الشيخ محمد بن عبد الوهاب في عقول أتباعه مبدأ الجهاد المقدس باعتباره أهم الفروع الدينية مستغلاً طبائع المجتمع البدوي ورغبته في الغزو والغنيمة، فصارت القبائل تتهافت على الأنضمام الى الدعوة الجديدة، وكان كل نصر تناله الدعوة الوهابية في غزواتها يزيد من عدد أتباعها ومن حماسهم لها. ـ عندما ادعى الشيخ محمد بن عبد الوهاب بأن دعوته هي حركة نهضة دينية وصلاحية قائمة على منهج السلف الصالح تدعو الى التوحيد الخالص ونبذ البدع وتحطيم ما علق بالاسلام من أوهام، ناصره أمير العينية عثمان بن حمد بن معمر في دعوته وروّج لها. ـ استغل الوهابيون العداء الموجود لدى العشائر ضد الحكومة العثمانية ووالي بغداد، فأخذوا يحاولون نشر دعوتهم الجديدة في اوساط العشائر بشعارات الاصلاح والعودة الى اصول السلف. ـ كان للحكام الدور الاكبر في نشوء هذه الفرقة وذلك لأن مؤسسها الشيخ محمد بن عبد الوهاب كان يدعو الى طاعة الحاكم واتباعه وعدم الخروج عليه مما وفّر الارضية المناسبة لبروزه واستقطاب الناس حوله.
* النشأة والتطور : ـ في عام « 1153 هـ » استطاع محمد بن عبد الوهاب استثمار وفاة أبيه الذي كان يعارض افكاره بشدة فراح يعلن عن عقائده ويستنكر على الناس ما يمارسونه من الشعائر الدينية ويدعوهم للانخراط في حزبه وتحت لوائه فاشتهر أمره في المدينة فلاقى دعماً ومناصرة من حكام العينية والدرعية. عندما اصبح النظام الديني للوهابية قائماً على ان يتولى الملك السعودي امامة الوهابيين ساعد هذا التوجه على احترامها من قبل الحكام السعوديين المتعاقبين على السلطة ووفر لها فرص الديمومة والاستمرار.
* الافكار والمعتقدات : ـ قالوا : بوجـوب هدم المشاهد المقدسة التي بنيت على القبور ولم يجوزوا بقاءَها ـ بعد القدرة على هدمها وابطالها ـ يوماً واحــداً. ـ قالوا إن اركان الاسلام خمسة : شهادة ان لا اله الا الله وان محمداً رسول الله، واقامة الصلاة، وايتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج بيت الله الحرام. ـ قالوا : لم يروَ عن النبي (ص) في زيارة قبره ولا قبر الخليل حديث ثابت والاحاديث الكثيرة المروية لزيارة قبره كلها ضعيفة بل موضوعة لم يرو الائمة ولا أصحاب السنن المتبّعة فيها شيئاً. ـ قالوا : من الايمان بالله الايمان باسمائه الحسنى وصفاته العلى، الواردة في الكتاب العزيز والثابتة عن رسوله الأمين من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكيف ولا تمثيل بل يجب ان تمر كما جاءت بلا كيف.ـ اعتبروا الامور التالية من الشرك : أ ـ لبس الخيط والحلقة. ب ـ النذر لغير الله. ج ـ الاستعاذة بغير الله. د ـ الاستغاثة بغير الله. هـ ـ الطيرة. ـ ومن جملة ما أفتوا بالغائه : أ ـ التشفع بالاولياء واقامة النصب والقباب واعتبروا المدخن كالمشرك، وحرموا التصوير وسائر اصناف الابهة والترف. ب ـ فتحوا باب الاجتهاد على مصراعيه واقرّوا به. ج ـ قالوا : ان فكرة تقديم آل الرسول هي من أثر الجاهلية في تقديم أهل بيت الرؤساء. د ـ كذبوا حديث المؤاخاة وان النبي (ص) قد آخى علياً عليه السلام وقالوا ان حديث المؤاخاة باطل. هـ ـ قالوا : ان التمسح بالقبر ـ أي قبر كان ـ وتقبيله وتمريغ الخد عليه هو من الشرك ولو كان قبر النبي (ص). و ـ قالوا : ان علياً (ع) انما قاتل الناس على طاعته لا على طاعة الله، فمن قتل النفوس على طاعته كان مريداً للعلو في الارض والفساد، وهذا حال فرعون والله تعالى يقول : { تلك الدار الاخرة نجعلها للذين لا يريدون علواً في الارض ولا فساداً والعاقبة للمتقين }. ـ حرموا التوسل بالاموات ولو كانوا انبياء وقالوا : من فعل هذا فهو مشرك بالله.
* أبرز الشخصيات : 1 ـ محمد بن عبد الوهاب بن سليمان التميمي 1111 هـ ـ 1207 هـ) 2 ـ عبد العزيز بن باز. 3 ـ عبد العزيز آل سعود. (1179 هـ ـ 1218 هـ) . 4 ـ محمد بن سعود. (1137 هـ ـ 1179 هـ) . 5 ـ سعود بن عبد العزيز.
* مواقع الانتشار : الموطن الأول للوهابية هو الحجاز ثم انـتشرت الى بعض المناطق الخليجية.
* أحداث ووقائع : ـ سنة 1208 هـ غزا الوهابيون مدينة البصرة وانتهبوا مدينة الزبير. ـ سنة 1216 هـ أغار الوهابيون على مدينة كربلاء المقدسة وأباحوها وقتلوا أهلها، وأنتهبوا ما فيها بما في ذلك الضريح المقدس لسبط الرسول (ص) الحسين الشهيد (ع). ـ سنة 1220 هـ غزوا نجران وما والاها. ـ سنة 1221 هـ غزوا المدينة واستولوا عليها وأنتهبوا التحف، والاموال الموجودة في الحجرة النبوية الشريفة. ـ سنة 1225 هـ غزوا الشام وقتلوا أهل موران قتلا ذريعاً. ـ سنة 1305 هـ قاتلوا الشريف غالب « شريف مكة » واستولوا على مناطق كثيرة من بلاد الحرمين. ـ سنة 1317 هـ وقعت مجزرة الطائف. ـ سنة 1332 هـ ـ 1336 هـ ناصروا الانجليز ضد الخلافة العثمانية التركية، واستولوا على الحجاز وطردوا الحسن بن علي ملك الحجاز من المدينة. ـ سنة 1343 هـ هدموا الاماكن المقدسة في البقيع، وانتهبوا حرم الرسول (ص) للمرة الثانية، وكادوا يهدمون القبر النبوي المقدس، لكنهم اكتفوا بهدم قباب نساء النبي واولاد الرسول والصحابة. ـ سنة 1231 هـ جهز محمد علي باشا جيشاً بقيادة ولده ابراهيم ووجهه الى الحجاز، ثم صار منها الى نجد فتوغل فيها شيئاً فشيئاً، الى ان وصل سنة 1233 هـ الى الدرعية عاصمة الوهابية، وبعد حصار دام خمسة أشهر استسلم أميرها عبدالله بن سعود فأرسله ابراهيم الى الاستانة حيث قتل ومن معه في ميدان آيا صوفيا.
* من ذاكرة التاريخ : ـ لما التحق محمد بن عبد الوهاب بأمير الدرعية وبزغ نجمه أحس عثمان بن معمر أمير العينية بتمخض خطرهم فلم يجد مناصاً من اظهار التودد والمداراة معهم الى ان انتهى به الامر الى تزويج أبنته من ابن عبد العزيز بن محمد بن سعود، الذي بلغ الوهابيون في عهده أوج قوتهم. وكان لموقف محمد بن عبد الوهاب الذي لم ينسَ ان أمير العينية قد نفاه منها، فأتهمه بأنه اجرى مراسلات سرية مع حاكم الاحساء محمد بن عفالق واعدّ العدة للخيانة، ولأجل ذلك أرسلوا بعض أعوانهم ومنهم حمد بن راشد وابراهيم بن زيد الى عثمان بن معمر حاكم العينية فأغتالوه اثناء ادائه لصلاة الجمعة.
* خلاصة البحث : الوهابية : من الفرق الاسلامية السنية ظهرت في قلب الصحراء العربية سنة (1143 هـ) أسسها محمد بن عبد الوهاب احياءً لمذهب (ابن تيمية) وهي فرقة طعنت في عقائد المسلمين وكفرت بعضهم دعوة منهم للعودة الى الدين الاسلامي الصحيح المستمد من القرآن والحديث. ـ استطاع الشيخ محمد بن عبد الوهاب مؤسس الوهابية ان يقحم في عقول أتباعه مبدأ الجهاد المقدس باعتباره من أهم الفروع الدينية، وبهذا وضع أصبعه على النقطة الحساسة في المجتمع البدوي وهي الغزو والغنيمة، فصارت القبائل تتهافت على الانضمام الى هذه الدعوة الجديدة، واصبح كل نصر تناله الوهابية يمثل رصيداً في زيادة الاتباع والمتحمسين لها. ـ عندما أصبح نظامها الديني قائماً على ان يتولى الملك السعودي امامة الوهابيين ساعد هذا التوجه على احترامها من قبل الحكام السعوديين المتعاقبين على السلطة ووفر لها فرص الديمومة والاستمرار. من افكارهم ومعتقداتهم : قولهم بوجوب هدم المشاهد التي بنيت على القبور ولم يجوزوا ابقاءَها ـ بعد القدرة على هدمها وابطالها ـ يوماً واحداً ولديهم افكار ومعتقدات اخرى لم يشاطرهم فيها احد من المسلمين.
* المصادر : 1 ـ عارف تامر، معجم الفرق الاسلامية (بيروت ـ لبنان، دار المسيرة، 1990 م)، التقوي، السيد ابو العلى، الفرقة الوهابية في خدمة من ؟، (بيروت ـ لندن، الارشاد). 2 ـ الزركلي، خير الدين، الاعلام، (بيروت ـ لبنان، دار العلم للملايين، ط 7، 1986 م). 3 ـ السبحاني، جعفر، الوهابية في الميزان (قم ـ ايران، مؤسسة النشر الاسلامي، 1407 هـ.ق). 4 ـ عارف تامر، معجم الفرق الاسلامية (بيروت ـ لبنان، دار المسيرة، 1990 م). 5 ـ ابن القيم الجوزية، محمد بن ابي بكر، زاد المعاد في هدي خير العباد (بيروت ـ لبنان، دار احياء التراث العربي). 6 ـ محمد بن عبد الوهاب، الاصول الثلاثة وادلتها (الرياض ـ المملكة السعودية، دار الوطن، 1993 م). 7 ـ ابن تيمية، كتاب الزيارة والاستنجاد بالقبور (الرياض ـ المملكة السعودية، دار المسلم للنشر والتوزيع، ط2، 1414 هـ. ق). 8 ـ عبد العزيز بن باز، العقيدة الصحيحة (القاهرة ـ مصر، دار ابن الجوزي 1413 هـ. ق ـ 1993 م). 9 ـ مغنية، محمد جواد، هذه هي الوهابية (بيروت ـ لبنان، دار الحقيقة، ط2، 1993 م) . 10 ـ ابن تيمية، منهاج السنة النبوية (الرياض، العربية السعودية، جامعة الامام محمد بن سعود الاسلامية، ط1، 1406 هـ. ق ـ 1986 م). 11 ـ السبحاني، جعفر، بحوث في الملل والنحل (قم ـ ايران، مؤسسة النشر الاسلامي، ط 2، 1415 هـ. ق). 12 ـ كاشف الغطاء، جعفر، منهج الرشاد لمن اراد السداد (قم ـ ايران، ط1، 1414 هـ. ق).بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
مقدمة الطبعة الثانية
لماذا تقطيع الأوصال ؟
الحمد لله الفتاح العليم ، ذو القوة والسلطان ، الذي بنعمته تتم الصالحات ، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده ، البشير النذير ، والسراج المنير ، محمد صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم. أما بعد
فبعد إقبال الناس الشديد على اقتناء هذا الكتاب ونسخه قبل ظهور طبعته الأولى ، قد يتساءل بعض الطيبين عن الدافع والهدف خلف الكتابة هذا الموضوع ، ولهم كل الحق في ذلك ؛ لأن صيحات التقريب بين المذاهب الإسلامية لها صداها – والحمد لله – في أرجاء الأمة أكان من جانب الشيعة ، أم كان من أهل السنة ، وقد خطا المسلمون خطوات محمودة في هذا المجال ، فأعدوا مراكز متخصصة لهذا الغرض ، وخرجت الكتب الجادة في هذا السبيل ككتاب الدكتور مصطفى الشكعة واسع الانتشار (إسلام بلا مذاهب)[1] ونداءات المصلحين كالعلامة حسن الترابي الذي ينادي بأنني مسلم لست سنياً ولا شيعياً ، وهذا العلامة أحمد الخليلي لا ينادي إلى التقريب فحسب بل ينادي بوحدة شاملة تجمع المسلمين ، ويرى أن ذلك ممكن ؛ خصوصاً إذا علمنا أن الخلافات بين المسلمين ما هي إلا خلافات في الفروع لا في الأصول.
نعم يحق لكل طيب القلب أن يستغرب الكتابة في ما من شأنه أن يقطِّع الأوصال ، وقد تعايش المسلمون قروناً عديدة حياة ملؤها الأمن والتعاطف والسلام ، فهؤلاء الشيعة يحكمون مصر ويشيدون الأزهر الشريف ، ولم يكرهوا أهل مصر على التحول عن مذاهبهم فيكونوا شيعة ، ولقد انتقل الأزهر من أياديهم إلى أيادي السنة انتقالا سلمياً من غير إراقة دماء ولا إزهاق أرواح ، والإباضية أقاموا في بلاد المغرب دولة واسعة الأرجاء عُرفت بالدولة الرستمية ملأت الأرض عدلاً وقسطا ؛ عاش في ظلها السني والشيعي والإباضي من غير تفريق ولا تمزيق ، الكل إخوة متوادون يجاهدون تحت راية واحدة[2].
ولقد ضرب الإمام نور الدين السالمي المثل الأعلى في التسامح ومعرفة أقدار الأئمة فقد كان يخرج إلى (جعلان) من أرض عمان ليعلِّم أهلها أمور دينهم على مذهب الإمام أحمد بن حنبل لأنهم حنابلة مع أنه إباضي المذهب ، ولم يقل أن الأمر أمري وليس لهم إلا السيف أو مذهبي ؛ مع أنه السيد المطاع الذي أذل الإمبراطورية البريطانية في الجزيرة العربية[3]. وهاهم الزيدية والشافعية يعيشون على أرض اليمن السعيد من غير تفرقة ولا اقتتال يتقاسمون اللقمة والكرسي ، فأين الخلل وما الداعي لتأليف هذا الكتاب؟
إن الخلل لا يكمن إلا في فِرقة واحدة رأت أن لا حياة لها إلا بفُرقة المسلمين ؛ فأخذت تكفِّر هذا وتطعن في ذاك ، حتى حكمت على غالب الأمة بالشرك الأكبر والضلال المبين ، ولم يبق مسلم واحد على ظهر الأرض يخالفهم إلا وأخرجوه من حظيرة الإسلام . إن هذه الفرقة هي الفرقة الوهابية التي لا تؤمن إلا بالسيف البتار والدرهم والدينار:
فحكمت على المذاهب الأربعة بأنهم ليسوا بأهل سُنَّة مطلقاً ، وأنه لا يجوز تسميتهم بذلك ما داموا على عقيدة الأشاعرة الزائغة على حد زعمهم[4] ، وسموهم بالصوفية والمعطِّلة. ورأوا أن التسمية بأهل السنّة غير لائقة بل الواجب أن يتحول الناس إلى فريقهم ويتسمَّوا بالسلفية[5].
وحكمت على الشيعة من زيدية وجعفرية بالكفر والضلال وسمَّوهم الرافضة.
وحكمت على الإباضية بالضلال ولم يجيزوا الصلاة خلفهم[6].
وحكمت بضلال الإخوان المسلمين[7].
وحكمت على جماعة الدعوة والتبليغ بالضلال ، ومنعتها من الحركة في أرض الحرمين.[8]
ما استحوذت على منابر المسلمين في بلاد الغرب وفرقت شمل الموحدين ، فتراهم في كل بلد هم أبرز أسباب الشقاء والفرقة.[9]
ولقد تناول الوهابية أعراض علماء الأمة ممن رفعوا لواءها وهم عند ربهم[10] ، فقدحوا فيهم كما فعلوا مع الإمام الترمذي[11] والإمام الغزالي صاحب إحياء علوم الدين[12] ونور الدين السالمي وسيد قطب والإمام الخميني عليهم رحمات الله أجمعين.
وترى في كل يوم مكتباتهم تنضح بالسم الناقع تكفيراً للمسلمين ونهشاً في جسد الأمة.
ولقد كذبوا على أئمة الإسلام وحرفوا كتبهم وأقوالهم ليصلوا إلى أهدافهم الخبيثة[13].
وقبل ذلك كله ضجّت أرجاء الجزيرة وما حولها من رعونتهم ووحشيتهم في تقتيل المسلمين للاستيلاء على أرضهم وأموالهم وانتهاك أعراضهم.[14]
وليتهم كانوا على شيء فنتبعهم ، ولكن عقيدتهم الإسفاف وفكرهم الضحالة حتى أفتوا باستحلال دم ومال من يقول بدوران الأرض.

لهذا كله ولأسباب أكثر تجدها مفصلة وموثقة في ثنايا هذا الكتاب رأيت أن من حق المسلمين عليَّ أن أدافع عنهم بالمساهمة في استئصال هذا الورم الخبيث من جسد هذه الأمة وأعلم أنه لن يأتيني إلا الريح الخبيث من قِبلهم ، ولكنني أحتسب أجري على الله ، والله لا يضيع أجر من أحسن عملا.
المؤلف

[1] آخر طبعة لهذا الكتاب القيّم رأيتها هي الثالثة عشر ، وإن دل ذلك على شيء فإنما يدل على إقبال المسلمين على ما يوحد صفهم ويجمع كلمتهم.
[2] يراجع ابن الصغير الشيعي ، أخبار الأئمة الرستميين ، و د. مصطفى الشكعة ، إسلام بلا مذاهب ، ص 163 – 170 ط13 ، وما يكتبه المؤرخون والأدباء المغاربة في ذلك.
[3] هذا العلم المجاهد كان من أعلام القرن الرابع عشر الهجري ، استشهد في الأربعين من عمره ، ومع هذا العمر القصير فقد كتب الله البركة فيه ؛ فقد خلف إرثاً علمياً وثقافياً واسعاً ، ومطوَّلات في الحديث والتاريخ والفقه والأدب ، وقاد حملة تنويرية في البلاد الإسلامية داعياً إلى الوحدة ونبذ الخلاف بين المسلمين ، والجهاد ضد الاستعمار ، مع أنه كان من ذوي الأعذار فقد كان رجلاً ضريرا ، وحقيق لشخصية مثله أن تُدرس في رسائل علمية متخصصة.
[4] اقرأ بالكتاب موضوع (أهل السنة عند الوهابية)
[5] اقرأ موضوع (شهادة من الداخل)
[6] وذلك في فتوى مكتوبة للشيخ ابن باز !
[7] اقرأ بالكتاب موضوع (الوهابية والإخوان المسلمون)
[8] اقرأ لمؤلفهم حمود بن عبد الله (القول البليغ في التحذير من جماعة التبليغ) لترى سوء التشنيع على المسلمين ، وهذه الجماعة مع مسالمتها ممنوعة في السعودية.
[9] اقرأ موضوع (من الآثار الوخيمة للبدعة السلفية)
[10] اقرأ موضوع (الإسفاف الفكري عند الوهابية)
[11] اقرأ موضوع (الحشوية وتضليلهم للإمام الترمذي)
[12] راجع كتابهم مؤلفات سعيد حوى دراسة وتقويم لمؤلفه سليم الهلالي وهو في غالبه شتم لمذاهب المسلمين وللعلامة سعيد حوى مفسر القرآن العظيم رحمه الله ، وقد نال في كتابه هذا من الإمام حسن البنا رحمه الله ص 75 وما بعدها.
[13] اقرأ موضوع (كذب الحشوية على الأئمة الأربعة)
[14] اقرأ في الكتاب موضوع (الوهابية السفاحون)بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
تـمـهـيـد
من هم الخوارج ؟!
وردت أحاديث كثيرة تُنذر خروج فرقة تمرق من الدين ، تستحل دماء الموحدين ، وتترك أهل الأوثان ، وقد حاول البعض صرفها في صحابة الرسول الكريم من أهل النهروان[1] ، تعصباً للإمام علي ، ولقد حاولت تطبيق الأحاديث عليهم فرأيتها لا تنطبق مطلقاً ، لأسباب كثيرة أهمها أن من بين من خرج على الإمام علي في أهل النهروان صحابة مرضيين[2] ، و ممن خرج عليه من قبل أهل الجمل بقيادة أم المؤمنين عائشة وطلحة والزبير ، وأهل صفين بقيادة معاوية وعمرو بن العاص ، فكيف تنطبق الأحاديث على فريق من أصحاب رسول الله r ولا تنطبق على باقي الفرق ؟!
ولكنني في الوقت ذاته ، رأيت أن الذين يروج وبشدة لهذا الطرح الباطل – رغم عدم تناسب نبش عظام أصحاب رسول الله r ودعوة التوحيد – هي فرقة حديثة تسمى الوهابية ، فحاولت تطبيق الأحاديث عليهم فهالني ما رأيت ، وسأسرد هذه الأحاديث النبوية الشريفة قبل أي نقاش:
· يَأْتِي فِي آخِرِ الزَّمَانِ قَوْمٌ حُدَثَاءُ الأَسْنَانِ سُفَهَاءُ الأَحْلامِ يَقُولُونَ مِنْ خَيْرِ قَوْلِ الْبَرِيَّةِ يَمْرُقُونَ مِنَ الإِسْلامِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ لا يُجَاوِزُ إِيمَانُهُمْ حَنَاجِرَهُمْ فَأَيْنَمَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاقْتُلُوهُمْ فَإِنَّ قَتْلَهُمْ أَجْرٌ لِمَنْ قَتَلَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. رواية البخاري

· عَنْ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّ النَّبِيَّ r ذَكَرَ قَوْمًا يَكُونُونَ فِي أُمَّتِهِ يَخْرُجُونَ فِي فُرْقَةٍ مِنَ النَّاسِ سِيمَاهُمُ التَّحَالُقُ قَالَ هُمْ شَرُّ الْخَلْقِ أَوْ مِنْ أَشَرِّ الْخَلْقِ يَقْتُلُهُمْ أَدْنَى الطَّائِفَتَيْنِ إِلَى الْحَقِّ قَالَ فَضَرَبَ النَّبِيُّ rلَهُمْ مَثَلًا أَوْ قَالَ قَوْلًا الرَّجُلُ يَرْمِي الرَّمِيَّةَ أَوْ قَالَ الْغَرَضَ فَيَنْظُرُ فِي النَّصْلِ فَلا يَرَى بَصِيرَةً وَيَنْظُرُ فِي النَّضِيِّ فَلَا يَرَى بَصِيرَةً وَيَنْظُرُ فِي الْفُوقِ فَلا يَرَى بَصِيرَةً . رواه مسلم وروى نحواً منه أحمد[3]

· بَعَثَ عَلِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ r بِذُهَيْبَةٍ فَقَسَمَهَا بَيْنَ الْأَرْبَعَةِ الْأَقْرَعِ ابْنِ حَابِسٍ الْحَنْظَلِيِّ ثُمَّ الْمُجَاشِعِيِّ وَعُيَيْنَةَ بْنِ بَدْرٍ الْفَزَارِيِّ وَزَيْدٍ الطَّائِيِّ ثُمَّ أَحَدِ بَنِي نَبْهَانَ وَعَلْقَمَةَ بْنِ عُلَاثَةَ الْعَامِرِيِّ ثُمَّ أَحَدِ بَنِي كِلَابٍ فَغَضِبَتْ قُرَيْشٌ وَالْأَنْصَارُ قَالُوا يُعْطِي صَنَادِيدَ أَهْلِ نَجْدٍ وَيَدَعُنَا قَالَ إِنَّمَا أَتَأَلَّفُهُمْ فَأَقْبَلَ رَجُلٌ غَائِرُ الْعَيْنَيْنِ مُشْرِفُ الْوَجْنَتَيْنِ نَاتِئُ الْجَبِينِ كَثُّ اللِّحْيَةِ مَحْلُوقٌ فَقَالَ اتَّقِ اللَّهَ يَا مُحَمَّدُ فَقَالَ مَنْ يُطِعِ اللَّهَ إِذَا عَصَيْتُ أَيَأْمَنُنِي اللَّهُ عَلَى أَهْلِ الْأَرْضِ فَلَا تَأْمَنُونِي فَسَأَلَهُ رَجُلٌ قَتْلَهُ أَحْسِبُهُ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ فَمَنَعَهُ فَلَمَّا وَلَّى قَالَ إِنَّ مِنْ ضِئْضِئِ هَذَا أَوْ فِي عَقِبِ هَذَا قَوْمٌ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ مُرُوقَ السَّهْمِ مِنَ الرَّمِيَّةِ يَقْتُلُونَ أَهْلَ الْإِسْلَامِ وَيَدَعُونَ أَهْلَ الْأَوْثَانِ لَئِنْ أَنَا أَدْرَكْتُهُمْ لأقتنهم قَتْلَ عَادٍ . وفي رواية أخرى قتل ثمود. رواية البخاري

· عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِي اللَّه عَنْهمَا أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ r وَهُوَ مُسْتَقْبِلٌ الْمَشْرِقَ يَقُولُ أَلَا إِنَّ الْفِتْنَةَ هَا هُنَا مِنْ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ. رواه مالك والبخاري ومسلم وأحمد وغيرهم. وفي رواية عند أحمد (يخرجون من المشرق).

· يَخْرُجُ مِنْ أُمَّتِي قَوْمٌ يُسِيئُونَ الْأَعْمَالَ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ قَالَ يَزِيدُ لَا أَعْلَمُ إِلَّا قَالَ يَحْقِرُ أَحَدَكُمْ عَمَلَهُ مِنْ عَمَلِهِمْ يَقْتُلُونَ أَهْلَ الْإِسْلَامِ فَإِذَا خَرَجُوا فَاقْتُلُوهُمْ ثُمَّ إِذَا خَرَجُوا فَاقْتُلُوهُمْ ثُمَّ إِذَا خَرَجُوا فَاقْتُلُوهُمْ فَطُوبَى لِمَنْ قَتَلَهُمْ وَطُوبَى لِمَنْ قَتَلُوهُ كُلَّمَا طَلَعَ مِنْهُمْ قَرْنٌ قَطَعَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فَرَدَّدَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ r عِشْرِينَ مَرَّةً أَوْ أَكْثَرَ وَأَنَا أَسْمَعُ . رواية أحمد

نظرة تحليلية للأحاديث:
أحاديث الخوارج بعضها صحيح ، وبعضها لا يصح ، فكل حديث نصَّ على أن ذا الثدية قد قتل في النهروان لا يصح سنداً ولا متنا ، وبعض هذه الأحاديث قد سُخِّر تسخيراً واضحاً للنيل من أهل النهروان ؛ فحيث يكون إسناد الحديث قوياً ولا يعني أهل النهروان ، هنالك تضاف إليه تعليقات الرواة فيأخذها الغافل بالتسليم ، ، كشهادة أبي سعيد - الذي ذكر بالكنية هكذا ! ويحتمل أنه أبو سعيد الخدري - الناصة على رؤيته لذي الثدية بين جثث الصحابة في النهروان . وهي شهادة مردودة شرعاً لسببين :
أ‌. لأنه واحد لم يعضد شهادته أحد غيره ، وهو يشهد على جماعة من الصحابة .
ب‌. هو لهم خصم لأنه ممن قاتلهم وشهادة الخصم على خصمه مردودة.
أما من ناحية المتـن فإن قصة ذي الثدية لا تقوم على ساق لكثرة الاضطراب فيها[4] ، حيث أنها نسبت لأكثر من شخص[5]، كما أن الرواة ينصون على أن الإمام علي أمر بقطع يده المخدجة فلما أتي بها أخذها ثم رفعها وتحدَّث للناس[6] ، وما كان له أن يفعل ذلك فهو يعلم تماماً حرمة التمثيل بالقتلى حتى بالبهائم والمشركين[7] ، فكيف بمن يشهد أن لا إله إلا الله!
وقد قدِّمت رسالة علمية بالمملكة الأردنية لمناقشة أحاديث الخوارج وتخريجها وقد أثبتت هذه الدراسة التي لم يشرف عليها الإباضية عدم دلالة الصحيح منها على الصحابة من أهل النهروان.
، ولكن المؤسف أنها تستخدم عند البعض كالمسلمات للانتقاص من الصحابة من أهل النهروان، بينما تصرف عمَّن يستحقها ، فهي تذكر أنَّ هؤلاء القوم صفاتهم كالتالي:

1. يأتون في آخر الزمان ، ولا يمكن بحال اليوم القول بأن أهل النهروان خروجوا في آخر الزمان. وهاهم الوهابية يخرجون في هذا الزمان المتأخر . بينما ظهرت في هذا الزمان الأخير فرقة ترمي المسلمين بالشرك ؛ وتستحل بذلك دماءهم وأموالهم ، وتعتدي على تراثهم بالتشويه وعلى علمائهم بالتبديع والزيغ ، وتدعي أنها على الحق المطلق ، ألا وهي الفرقة الوهابية ، والتي تُظهر اهتماماً غير طبيعي لصرف أحاديث الخوارج في أهل النهروان!

2. يخرجون على حين فُرقةٍ من الناس ، والحق أن الصحابة في وقعة الجمل والنهروان قد خرجوا في زمن الفرقة بين علي ومعاوية ، ولكن هل من فرقة بين المسلمين خصوصاً والناس عموماً - كما نصَّ الحديث - أعظم من تلك الفرقة التي خرج فيها الوهابية ، فوقعت بين البشر الحروب العالمية وتفرق المسلمون حتى ضاعت أرضهم – كل أرضهم - فتقاسمتها اليهود والنصارى ؟!، والمثير للاستغراب أننا نرى الوهابية يقفون أمام كلِّ دعوة توحيدية بين المسلمين بالمرصاد ليجهضوها ، حتى تبقى الأمة على فُرقتها ، وما تهجمهم على الإمام حسن البنا – على سبيل المثال – إلا بسبب دعوته للتقريب بين المذاهب الإسلامية وذلك باعترافهم أنفسهم.

3. يخرجون من جهة المشرق ، وما المشرق إلا نجدا لصريح الحديث فيها : (عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ قَالَ (رسول الله r) اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي شَامِنَا وَفِي يَمَنِنَا قَالَ قَالُوا وَفِي نَجْدِنَا قَالَ قَالَ اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي شَامِنَا وَفِي يَمَنِنَا قَالَ قَالُوا وَفِي نَجْدِنَا قَالَ قَالَ هُنَاكَ الزَّلَازِلُ وَالْفِتَنُ وَبِهَا يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ[8]) وقد أشار النبي الكريم بيده نحو جهة المشرق مؤكداً على نجد ، وقد خرج الوهابية منها ؛ بل ودَعوا الناس للهجرة إليهم ، وإن نفوا ذلك اليوم[9].

4. يقرؤون القرآن ولا يجاوز حناجرهم ، أما أهل النهروان فثبت أن سبب خروجهم لم يكن إلا المحافظة على تطبيق النص القرآني بعد ثبوته بعدم تحكيم الرجال في الحدود الثابتة ؛ فكما لا يجوز الاجتهاد في ماهية حد السرقة فلا يجوز كذلك الاجتهاد في ماهية حد البغي فهو ثابت بالنص القرآني ، فكما ترى أن القرآن كان يجاوز حناجر أهل النهروان إلى التطبيق العملي ، ولكن مَن أشهر إعلامياً اليوم من الوهابية الذين يتباكون في حرم الله الآمن وهم أكلة لحوم المسلمين وأموالهم ، كما سيأتي ذلك في تأريخهم وفتاويهم ؟.

5. يسيئون الأعمال ، أما أهل النهروان فقد قتل أغلبهم على مصاحفهم ، وحفظ لنا التاريخ عن الباقين أمثلة رائعة إحسان العمل وأعلاها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر خصوصاً مع أهل الجور ، فقد سئل عليه الصلاة والسلام : (أَيُّ الْجِهَادِ أَفْضَلُ قَالَ كَلِمَةُ حَقٍّ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ )[10] بل وقتل بعضهم على ذلك[11] ، بينما نرى الوهابية اليوم يكفِّرون المسلمين ويسارعون إلى إخراجهم من الملة ، وليست فتوى ابن باز بجواز قتل المسلم واستحلال ماله إذا آمن أن الأرض تدور بآخر ما في جعبتهم. ويكفيك أسلوبهم غير المهذب في الدعوة ، وامتلاء مكتباتهم بالكتب الفارغة التي تطفح عناوينها بالانتقاص من علماء المسلمين الأعلام في كلِّ أرض

6. يقتلون المسلمين ويتركون عبدة الأوثان ، أما أهل النهروان فقد ثبت قتالهم لأهل الأوثان ويكفيك منهم قائد قوات عمر بن الخطاب الصحابي حرقوص بن زهير السعدي فاتح الأهواز ، ولقد اعتزلوا فتنة القتال بين المسلمين ما لم تكن للبغي على خليفة مبايع ، أما الوهابية فتأريخهم مليء بسفك دماء المسلمين واستحلال أموالهم ونسائهم بشكل تشيب لهوله الولدان باعترافهم أنفسهم ، وهم لم يسجل لهم التاريخ مواجهة واحدة مع أعداء الإسلام.

7. سيماهم التحالق أو التحليق كما في رواية أحمد ، وقد ثبت بألسن العلماء المعاصرين لنشأة الوهابية كمفتي مكة المكرمة الشيخ أحمد زيني دحلان أن الشيخ محمد بن عبدالوهاب كان يأمر من يدخل في طاعته بحلق شعره لينشأ بشعر جديد لم يشرك فيه ، واتفق مرة أن امرأة أقامت عليه الحجة فقالت له : (حيث أنك تأمر المرأة بحلق رأسها ينبغي لك أن تأمر الرجل بحلق لحيته لأن شعر المرأة زينتها وشعر لحية الرجل زينته فلم يجد لها جوابا )[12]! وكان مفتي زبيد السيد عبد الرحمن الأهدل يقول (لا حاجة إلى التأليف في الرد على الوهابية بل يكفي في الرد عليهم قوله صلى الله عليه وسلم (سيماهم التحليق) فإنه لم يفعله أحد من المبتدعة غيرهم).[13]

ولتتبين أخي المسلم أن الوهابية هم أنسب من تنطبق عليهم الأوصاف التي جاءت في أحاديث النبي r فإنني ألفت هذا الكتاب أعالج فيه كل صفة من صفات الخوارج في باب مستقل ، وأدلل عليها بصفحات موثقة كثيرة من تاريخ الوهابية وجغرافيتهم وأعمالهم .


[1] رددنا على هذه الفرية في كتاب مستقل سيظهر قريباً إن شاء الله ففي النهروان صحابة كرام كعبد الله بن وهب الراسبي وحرقوص بن زهير السعدي قائد جيوش عمر بن الخطاب لفتح الأهواز كما قال عنه صاحب أسد الغابة والطبري وغيرهم ، وهل يجوز الانتقاص من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟!
[2] ففي النهروان صحابة كرام بتوثيق علماء أهل السنَّة كعبد الله بن وهب الراسبي وحرقوص بن زهير السعدي قائد جيوش عمر بن الخطاب لفتح الأهواز كما قال عنه صاحب أسد الغابة والطبري وغيرهم ، وهل يجوز الانتقاص من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟!
[3] الحديث لا يخلو إسناده من ضعف ؛ ففيه أبو نضرة المنذر بن مالك بن قطعة العبدي وهو ممن يخطيء كما قال عنه ابن حبان وإن كان يوثقه ، وفي طرقه الأخرى أبو أحمد محمد بن عبد الله بن الزبير بن عمر الأسدي وهو كثير الخطأ في حديث سفيان كما قال عنه أحمد بن حنبل وقد رواه هذا الحديث عن سفيان ، وفيها حبيب بن أبي ثابت الأسدي وهو مدلس كما قال عنه ابن حبان.
[4] ينص عبد الرحمن بدوي ، دراسات إسلامية ، ص 63 ، في ترجمته لكتاب الخوارج والشيعة على أنها أسطورة. ويراجع ما قاله ابن تيمية أيضاً في (منهاج السنة 4/189-194)
[5] ، فقد أورد الحافظ ابن حجر بعض الخبط الذي وقع فيه الرواة في شخصية ذي الخويصرة والخلط بينه وبين ذي الثدية ومختلف الأسماء التي سمي بها وكيف حشر اسم الصحابي الجليل حرقوص بن زهير السعدي في هذه الفوضى وذلك في : (مقدمة فتح الباري ) وفي (فتح الباري) وفي (الإصابة) حيث نصَّ أن منهم من يسميه عبد الله بن ذي الخويصرة (مقدمة فتح الباري ص 294 و ص 308) (الإصابة 2/411 برقم 2452) ، وفي (ص 299) ذكر أن اسمه نافع وقال (أخرجه ابن أبي شيبة في كتابه وقيل حرقوص وقيل ثرملة) وذكر أن اسمه نافع أيضاً في (فتح الباري 8/96 برقم 4094) حيث قال هناك (اسمه نافع ورجحه السهيلي وقيل اسمه حرقوص بن زهير السعدي) وذكر ذلك أيضاً الطبري في تاريخه (3/125) وذكر له قصة هناك ، بل ويخلطون هذه الشخصيات حتى بعيينة بن حصن والأقرع بن حابس (مقدمة الفتح ص 324) وذكر هنا أنه يماني ، وذكر في (فتح الباري 8/56 برقم 4081) (10/513 برقم 5749) أنه من الأنصار ، وكثيرا ما يضعَّف ابن حجر الروايات التي تقول أنه حرقوص بن زهير بقوله (قالوا) ، (زعموا) ، (قيل) بل إنه يقول في بعض المواضع (وما أدري من الذي قال : "وهو حرقوص") (الفتح 12/302 برقم 6534) ، وقال في الإصابة (2/49 برقم 1663) (حرقوص بن زهير السعدي له ذكر في فتوح العراق وزعم أبو عمر أنه ذو الخويصرة التميمي..) وصدق من قال (زعموا مطية الكذب) ! فأنت ترى اللبس الكبير فلا تدري عمَّن يتحدثون أعن ذي الخويصرة أم عن ذي الثدية ! وليت ابن حجر تعقب هذه الروايات بالدراسة ففندها كي لا تكون مطية لمن أراد الطعن في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والخلط بينهم وبين خوارج نجد.
[6] الطبري 3/125
[7] روى البخاري وغيره (نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ النُّهْبَى وَالْمُثْلَةِ )
[8]رواه البخاري و الترمذي و أحمد وغيرهم
[9] ذلك ثابت على لسان الشيخ سليمان بن عبد الوهاب أخو مؤسس الحركة الوهابية وسيأتي نصه في ثنايا الكتاب.
[10] رواه أحمد برجال ثقات.
[11] كما فعل بأبي بلال وأخيه عروة ابني أدية رحمهما الله.
[12] أحمد بن زيني دحلان ، فتنة الوهابية ، ص 19
[13] المصدر السابقلفصل الأولالتعريف بالوهابية
تعريف الوهابية
خرافة الالتزام بفهم السلف
ابن تيمية الحراني
ابن القيم الشفيق بإبليس
محمد بن عبد الوهاب
الألباني محدث السلفية
الشيخ عبد الله فيلبي
تعريف الوهابية
فِرقة خرجت على حين ضعفٍ وفُرقةٍ بين المسلمين ، خرجت في آخر الزمان ، تركت قتال أهل الأوثان ، وقاتلت أهل الإسلام ، واعتبرتهم مشركين ، ما لم يكونوا وهابية ويهاجروا إلى دار هجرتهم نجد ، وذلك في بداية دعوتهم كما أثبت ذلك الشيخ سليمان بن عبد الوهاب النجدي في معرض رده على أخيه محمد في كتابه (الصواعق الإلهية في الرد على الوهابية) ، نجد تلك التي قال عنها الرسول الكريم (هناك الزلازلُ والفِتَنُ ومنها يخرج قرنُ الشيطان) وأبى أن يدعو لها بخير كما دعا لغيرها[1]
ولم ينقم الوهابية على المسلمين أموراً جوهرية ، بل جادلوا في مسائل ثانوية ، وكفَّروا المسلمين على أساسها ، ويدَّعون إتباع السلف لتقليدهم ابن تيمية وأذياله ؛ ولتعلقهم بظاهر القرآن والسنَّة مع المحاربة لإعمال العقل في فهم النص أو التأويل ، إلا أنَّ أفكارهم سرعان ما انكشف تهافتها ووهنها لكثير من العقلاء ، وعلماؤهم لا يستطيعون الوقوف أمام حجج المسلمين وبراهينهم ، فهم إن تحدَّثوا فكثيراً ما تسمع عيَّهم كمتحدثين ، وضعفهم في لغة القرآن الكريم ، ويهربون من كلِّ مناظرة علمية تهدف إلى تبيين الحق لأنهم يعلمون أن لا قِبَل لهم بذلك.
الشهادة بجهل الوهابية:
إن الجهل والسطحية لدى علماء الوهابية ، قد شهد بها الكثير ممن احتكوا بهذه الفرقة ، فقد روى الشيخ إبراهيم المنصوري أن ابن عبد الوهاب (كان يمنع أتباعه من مطالعة كتب الفقه والتفسير والحديث[2] ، وقد أحرق كثيراً منها وأذن لكل من اتبعه أن يفسر القرآن الشريف بحسب فهمه ... فكل واحد منهم يفعل ذلك حتى ولو كان لا يحفظ من القرآن شيئاً)[3] وهذا ليس بغريب على زعيم الوهابية ، فمن يقرأ تاريخه الحقيقي غير المزوَّر يدري بأنه جاء بعد تدريب مكثَّف بالعراق على أيدي المستشرقين الإنجليز لهدم الإسلام ، بل كانت الخطة – كما ذكر ذلك المستر هامفر أستاذ محمد بن عبد الوهاب في مذكراته - هدم الكعبة وإضافة المنسوخ من القرآن ، ولكنه اعتذر لأسياده عن فعل ذلك بحجة أن الدولة العثمانية سترسل إليه جيشاً جراراً يقضي على حركته إن فعل ذلك .
وذكر الشيخ محمد سليم الكيلاني [4]أن أحد المفتين الوهابيين ويدعى عبد الله بن خلف حضر إلى دمشق ، وطلب منه أن يعطيه كتابا في علم النحو ، وشيئا من فن الصرف ، فأمره أن يحضر مع صغار الطلبة الذين يدرسون كتاب (قطر الندى) وكتاب(النبأ في الصرف) ، وكذلك فعل القاضي الشيخ عبد الله مرعي ، ويعلق الشيخ الكيلاني على مستواهم هذا بقوله (فإذا كان هذا مبلغ علم قاضيهم ومفتيهم فما بالك في بقية علمائهم) ، ويضيف ( إني اجتمعت بكثير من علمائهم فوجدتهم من الجهل بمكان ، ومن العلم بمعزل).
ولا تعجب أخي القارئ ، فقدوتهم محمد بن عبد الوهاب كان جاهلا مغرورا ، وقد ذكر جهله أخوه سليمان بن عبد الوهاب في كتابه (الصواعق الإلهية في الرد على الوهابية) ونسب إليه القصور العلمي وذلك في قوله : (ابتلي الناس بمن ينتسب إلى الكتاب والسنة ويستنبط من علومهما ولا يبالي من خالفه . وإذا طلبت منه أن تعرض كلامه على أهل العلم لم يفعل بل يوجب على الناس الأخذ بقوله وبمفهومه ومن خالفه فهو عنده كافر. هذا وهو لم يكن فيه خصلة واحدة من خصال الاجتهاد ، ولا والله ولا عُشر واحدة ، ومع ذلك راج كلامه على كثير من الجهال)[5].
ونحن ندعو من يشك في أمر جهل الوهابيين - إن كان يقول أن هؤلاء الذين يكتبون في الإنترنت هم جهال الوهابية - ندعوه ليس فقط إلى تأمل أفكارهم ، وما تنم عنه من معارف جزئية وسطحية ، كقولهم بعدم دوران الأرض ، بل إلى مطالعة أساليبهم الكتابية الركيكة الواضحة في كتبهم ورسائلهم وفتاويهم ، وأن يسمع كبار علمائهم عندما يتحدثون.
على أنه لم يستطع حتى من دافع عن الوهابيين إلا أن يعترف بجهلهم ، فهم يقولون أن الجهل كان سائداً في مناطق نجد بشكل عام . فقد جاء في شرح محمد حامد الفقي لأسباب نجاح الوهابية في حين فشل ابن تيمية وابن القيم الجوزية ، قوله (على نهج شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم سلك شيخ الإسلام[6] محمد بن عبد الوهاب ، ولكنه كان قد هُيأ له من الظروف ما لم يتهيأ للشيخين . فبلاد نجد البدوية (حيث انطلقت دعوة ابن عبد الوهاب) غير مصر والشام (حيث نشط ابن تيمية ثم تلميذه ابن القيم) التي كانت تعج بالملوك والأمراء والجيوش والقواد والمدارس والحضارات وتكايا المتصوفة المختلفة ، والقضاة والعلماء والمدرسين في جميع المذاهب)[7] فهذا اعتراف منهم بجهلهم ، وبجهل من انطوت عليهم أفكارهم الفاسدة ، فأكثر أتباع الوهابية اليوم هم من الذين أغلقت أمام أعينهم وسائل معرفة الحقيقة ، فلا تدخل كتب المسلمين إلى ديارهم إلا إذا لمستها يد التحريف لتتناسب ومنظور التضليل الوهابي.[8]
تسميتهم بالحشوية والمشبِّهة والمجسِّمة:
الحشوية هم طوائف مرَّت على مدار التاريخ الإسلامي منهم (الكرامية) و (البربهارية) و (السالمية) وآخر العقد هم الوهابية (الوهابية) والتي خرجت منها فرقة أخرى اليوم تسمى (الجامية) ، وهم أصناف المجسمة عموماً.
وسبب تسمية الذين يُدخلون في العقيدة ما ليس منها بالحشوية : أن طائفة من أسلافهم حضروا مجلس الحسن البصري بالبصرة ، وتكلموا بالسقط عنده فقال : ردوا هؤلاء إلى حشا الحلقة – فتسامع الناس بذلك وسموهم (الحشَوية) بفتح الشين ويصح إسكانها – وناسبهم لقولهم بالتجسيم ، لأن الجسم محشو ، فالحشوية هم الذين حادوا عن التنـزيه ، وتقولوا على الله بأفهامهم المعوجَّة[9].
يقول الشيخ محمد زاهد الكوثري (وكان أهل الحق يلقبونهم بألقاب تكشفهم لمن لا يعرفهم : بالمشبهة لتشبيههم الحق تبارك وتعالى بخلقه في وصفه بما هو من خواص الخلق. وبالمجسمة لقولهم في الله تعالى بالاتصاف بما هو من لوازم الجسم لزوماً بينا .. وبالحشوية نسبة إلى الحشو بسكون الشين ، وهو اللغو الذي لا اعتبار له ، فضلا عن أن يكون منسوباً إلى الله وإلى رسوله ، أو مذهباً يدان الله تعالى به …)[10].
وسيأتيك بهذا الكتاب بإذن الله ما يشرح صدرك بما يثبت استحقاق الوهابية لهذه التسميات بل وما هو أعظم.
خرافة الالتزام بفهم السلف
منقول نصاً من كتاب صحيح شرح العقيدة الطحاوية للشيخ حسن بن علي السَّقاف[11]خرافة الالتزام بفهم السلف
يدعي البعض بأنه يجب فهم الكتاب والسنة بفهم السلف ، وهم بذلك يعتبرون فهم السلف من الأدلة الشرعية الواجب إتباعها وهذا يتضمن مغالطتين:
أن السلف غير متفقين في فهم المسائل فليس لهم مذهب موّحد معروف حتى يصح أن يقال مذهب السلف أو فهم السلف أو يجب فهم الأمور بفهم السلف ، وسترى بعد قليل إن شاء الله تعالى أمثلة اختلاف السلف في مسائل عقائدية وغير عقائدية في فصل خاص وبالله التوفيق[12].
وهؤلاء الذين يدعون الناس إلى فهم السلف نراهم ينافرون فهم الأئمة الأربعة للمسائل الشرعية ويَحثُّون إما على تقليدهم في فهمهم للأمور أو على فهم أناس بعد القرون الثلاثة المسماة بقرون السلف!!
والمغالطة الثانية : أنه ليس في الكتاب والسنة دليل يفيد أنه يجب تعطيل العقول التي وهبنا الله سبحانه وتعالى إياها وفهم الكتاب والسنة بفهم غيرنا ما دام أن المرء وصل إلى درجة الفهم والاجتهاد!!
بل نقول لهؤلاء: إن النصوص الشرعية تخاطبنا مباشرة لنفهم أوامر الله تعالى ونواهيه دون تحريف أو ليٍّ لها ، فقول الله تعالى في آيات كثيرة مثلاً { يا أيها الذين آمنوا } عام يشمل السلف والخلف والمتقدم والمتأخر إلى قيام الساعة.
بل يقطع الشغب في هذه المسألة قوله تعالى { ولو ردُّوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم } هو صريح بأن علم أو فهم أولي الاستنباط وهم المجتهدون في كل عصر ومصر معتَبَر ، ولم يُخَصَّ ذلك بالسلف ، حيث لم يقل بأن أهل الاستنباط من السلف هم الذين يعلمون الأحكام ويفهمونها دون غيرهم من الخلَف ، وفي هذا دليل واضح على هدم الاستدلال بفهم السلف وجعله أحد الأدلة الشرعية ، بل الصواب أن يقال : إن فهم المجتهدين سواء كانوا من الخلف أو السلف معتبر شرعاً بالنسبة للعامي الذي يتأهل لفهم الأحكام من الكتاب والسنة مباشرة ، وإجماع هؤلاء المجتهدين في أي عصر من العصور سواء في زمن السلف أو الخلف هو معتبر شرعاً وهو من الأدلة الشرعية ، وما سوى ذلك هذيان!!
ثم إن الله تعالى يقول في كتابه العزيز : { فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول} ولم يقل ردوه إلى فهم السلف لهما!!
ويؤيد هذا ما جاء في صحيح البخاري (1/204) وغيره عن أبي جحيفة قال : قلت لعلي (رضوان الله عليه) هل عندكم كتاب ؟ قال : (( لا إلا كتاب الله أو فهم أٌُعطيهِ رجل مسلم …)).
قلت : ولم يقيد ذلك بالسلف فلم يقل إلا فهم السلف للكتاب والسنة !! بل قال (( فهم أعطيه رجل مسلم)) وهذا يعم المسلمين في كل عصر ومصر ولا يختص بالسلف !! فمن تأهل للفهم كان له ذلك وليس لأحد أن يلزمه بفهم السلف !! ونعتقد أن القائلين بوجوب أتباع فهم السلف متخابطون متناقضون في هذه المسألة[13]!!
وجاء في الحديث الصحيح ((مثَلُ أُمتي مثَلُ المطر ، لا يُدرى أوَّلُه خيرٌ أم آخِرُه ))[14]
وقال الحافظ ابن الجوزي في ((دفع شبه التشبيه)) ص (111) : (( وقد سئل الإمام أحمد عن مسألة فأفتى فيها فقيل له : هذا لا يقول به ابن المبارك ، فقال : ابن المبارك لم ينـزل من السماء))!!
قلت (أي فضيلة الشيخ السَّقاف)أي أن فهم السلف ليس بحجة يلزمنا العمل بها فانظره.ابن تيمية الحراني[15]ابن تيمية الحراني
هو أحمد بن عبد الحليم بن تيمية حفيد الفقيه المجد بن تيمية الحنبلي المشهور، ولد بحران ببيت علم من الحنابلة سنة 661 هـ، وقد أتى والده الشيخ عبد الحليم مع ذويه من هناك إلى الشام خوفاً من المغول سنة 667هـ .
تميَّز ابن تيمية بذكاء وقّاد وقدرة على جمع العلم والاستيعاب حتى نال ثناء الكثير من العلماء في أول أمره ، قال الحافظ ابن حجر في ترجمة ابن تيمية (كان يتكلم على المنبر على طريقة المفسرين مع الفقه والحديث فيورد في ساعة من الكتاب والسنَّة واللغة والنظر مالا يقدر أحد أن يورده في عدة مجالس ، كأن هذه العلوم بين عينيه ، فيأخذ منها ما يشاء ويذر ، ومن ثمَّ نسب أصحابه إلى الغلو فيه ، واقتضى له ذلك العُجب بنفسه ، حتى زها على أبناء جنسه ، واستشعر أنه مجتهد فصار يرد على صغير العلماء وكبيرهم ، قويهم وحديثهم حتى انتهى إلى عمر t فخطأه في شيء… وقال في حقِّ علي أخطأ في سبعة عشر شيئاً خالف فيها نص الكتاب…)[16]
وقد تخلى عنه معاصروه كالتاج الفزاري المعروف بالفركاح وابنه البرهان والجلال القزويني والكمال الزملكاني ومحمد بن الحريري الأنصاري والعلاء القونوي وغيرهم بعد أن بدأ في إذاعة فتنه ولم يأبه بالنصح .
قال عنه المحدِّث الحافظ الفقيه ولِيُّ الدِّين العراقي في كتابه (الأجوبة المرضية على الأسئلة المكية ) : (علمه أكبر من عقله) وقال أيضاً ( إنه خرق الإجماع في مسائل كثيرة قيل تبلغ ستين مسألة بعضها في الأصول وبعضها في الفروع خالف فيها بعد انعقاد الإجماع عليها).أ.هـ ، وتبعه على ذلك خلقٌ من العوام وغيرهم ، فأسرع علماء عصره في الرد عليه وتبديعه ، منهم الإمام الحافظ تقي الدين علي ابن عبد الكافي السبكي ، قال في (الدرَّة المضيئة) ما نصه : ( أما بعد فإنه بعد ما أحدث ابن تيمية ما أحدث في أمور العقائد ، ونقض من دعائم الإسلام الأركان والمعاقد ، بعد أن كان مستتراً بتبعية الكتاب والسنة ، مظهراً أنه داعٍ إلى الحق هادٍ إلى الجنة ، فخرج عن الإتباع إلى الابتداع ، وشذّ عن جماعة المسلمين بمخالفة الإجماع ، وقال بما يقتضي الجسمية في الذات المقدَّس ، وأن الافتقار إلى الجزء – أي افتقار الله إلى الجزء تعالى الله – ليس بمحال ، وقال بحلول الحوادث بذات الله تعالى ...) واستمر في تعديد مخالفات ابن تيمية كالقول بقدم العالم ، وقد أورد كثيراً منها أيضاً الحافظ أبو سعيد العلائي شيخ الحافظ العراقي نقل ذلك المحدِّث الحافظ المؤرخ شمس الدِّين بن طولون ، ونقتطف منها ما يلي :
(ذكر المسائل التي خالف فيها ابن تيمية الناس في الفروع والأصول :
فمنها ما خالف فيه الإجماع ، ومنها ما خالف فيه الراجح من المذاهب ، فمن ذلك يمين الطلاق ، قال بأنه لا يقع عند وقوع المحلوف عليه بل عليه كفارة يمين ، ولم يقل بالكفارة أحد من المسلمين البتة ... ، وأن طلاق الحائض لا يقع وكذلك الطلاق في طهر جامع فيه زوجته[17] ... وأن الحائض تطوف بالبيت من غير كفارة وهو مباح لها[18] ... وصرّح في بعض مؤلفاته بأن الله تعالى بقدر العرش لا أكبر منه ولا أصغر ، وصنَّف جزءاً في أنَّ علم الله لا يتعلق بما لا يتناهى كنعيم أهل الجنة ، وأنه لا يحيط بالمتناهي ، ومنها أن الأنبياء غير معصومين ... وأن عذاب أهل النار ينقطع ولا يتأبد ... ومن أفْراده أيضاً أنَّ التوراة والإنجيل لم تبدل ألفاظهما بل هي باقية على ما أنزلت وإنما وقع التحريف في تأويلها ، وله فيه مصنَّف ، هذا آخر ما رأيت ، وأستغفر الله عن كتابته فضلاً عن اعتقاده )[19] أ.هـ.
وهذه الشطحات تثير العجب ؛ ولنضرب على ذلك بمثالين بسيطين من قوله ، وهما طواف الحائض وتحريف التوراة والإنجيل ؛ فكيف يؤتم بمن يخالف قوله صريح كلام رب العالمين بأن أهل الكتاب {يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله} فيأتي هذا الزائغ ليقول كلا إنَّ التوراة والإنجيل لم يحرفا ؟! وكيف يؤتم بمن يخالف دلالة السنة ويخالف إجماع الأمة بأن الحائض لا تطوف بالبيت لأن الطواف صلاة فيأتي هذا ليقول بجواز أن أن تطوف الحائض بالبيت؟!
وله حادثة شهيرة في صحن المسجد الأموي ضربه الناس فيها بالنعال حيث يروي أبو الحسن علي الدمشقي عن أبيه قال : ( كنا جلوساً في مجلس ابن تيمية فذكر ووعظ ، وتعرض لآيات الاستواء ثمَّ قال : " واستوى الله على عرشه كاستوائي هذا " قال فوثب الناس عليه وثبة واحد وأنزلوه من الكرسي ، وبادروا إليه ضرباً باللكم والنعال ...الخ)[20]
وكان الذهبي – وهو من أساتذة المدرسة الحشوية - من معاصريه وممن أعجب بذكائه وعلمه فمدحه في أول الأمر ثمَّ لما تبين له حاله وتحكم الكِبر والغرور به قال عنه في رسالته (بيان زغل العلم والطلب) ما نصه : ( ما وجدت أخَّره بين أهل مصر والشام ومقتته نفوسهم وازدروا به وكذَّبوه وكفَّروه إلا الكِبر والعُجب وفرط الغرام في رئاسة المشيخة والازدراء بالكبار ، فانظر كيف وبال الدعاوى وحبه الظهور ، نسأل الله المسامحة )[21]
وقد كان ابن تيمية ينهج أسلوباً غريباً لنصرة مذهبه مبني على أمور أهمها:
(أ) حكايته لإجماعات وهمية للسلف لا وجود لها على أرض الواقع ليجعل رأيه في حكم المسلَّم به ، وذلك كثير عجيب في كتبه ؛ فعندما يتحدث عن آيات الصفات يقول (إن جميع ما في القرآن من آيات الصفات فليس عن الصحابة اختلاف في تأويلها ، وقد طالعت التفاسير المنقولة عن الصحابة ، وما رووه من الحديث ، ووقفت على ما شاء الله تعالى من الكتب الكتاب والصغار أكثر من مائه تفسير ، فلم أجد إلى ساعتي هذه عن أحد من الصحابة أنه تأول شيئاً من آيات الصفات أو أحاديث الصفات بخلاف مقتضاها المفهوم المعروف)[22] فانظر إلى إصراره على إيهام الناس بأنه استقصى الموضوع بحثاً ثم يخرج بهذه النتيجة التي تخالف الواقع مع من لديه أدنى إطلاع على كتب التفسير والحديث ، فالطبري الذي مدح ابن تيمية تفسيره بأنه تفسير ليس فيه بدعة ، يقول (اختلف أهل التأويل في معنى الكرسي ، فقال بعضهم هو علم الله تعالى ذكره)[23] وذكر ذلك منقولا من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس . وهو كثير جداً لا يحصيه إلا كتاب متخصص ككتاب (الأسماء والصفات) للإمام البيهقي.[24] وزعم الإجماع هذا هو عين ما ادعاه في قضية التحيز والعلو الحسي حين زعم أن الذات العلية محدودة بالمكان في عقيدته الحموية الكبرى[25]وقال (..ثم ليس في كتاب الله ولا في سنة رسول الله ، ولا عن أحد من سلف الأمة ولا من الصحابة والتابعين ولا عن الأئمة الذين أدركوا زمن الأهواء والاختلاف حرف واحد يخالف ذلك لا نصاً ولا ظاهرا ، ولم يقل أحد منهم قط أن الله ليس في السماء) وهذا ادعاء باطل يعلم بطلانه ابن تيمية ذاته ، ورد عليه عدد غفير من العلماء يبينون عوار شطحته ، فالله سبحانه وتعالى يقول {فأينما تولوا فثم وجه الله} ، ورسوله المصطفى r يقول (إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ يُصَلِّي فَلَا يَبْصُقُ قِبَلَ وَجْهِهِ فَإِنَّ اللَّهَ قِبَلَ وَجْهِهِ إِذَا صَلَّى )[26] وقال (أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ)[27]، فالله سبحانه لا تحيط به الأقطار ؛ فكيف يحدّ بالسماء ، أما أقوال الصحابة والتابعين فلا يسعها بحثنا المختصر ، ويكفي للإشارة إليها أن نسوق رد العلامة شهاب الدين بن جهبل[28] الحلبي الشافعي المعاصر لابن تيمية في قوله : (وفي هذا الفريق –أي أدعياء السلفية – من يكذب على السابقين الأولين من الأنصار والمهاجرين ويزعم أنهم يقولون بمقالته ، ولو أنفق ملء الأرض ذهباً ما استطاع أن يروج عليهم كلمة تصدِّق دعواه ، وتستَّر هذا الفريق بالسلف حفظاً لرياسته والحطام الذي يجتلبه {يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم} ، وهؤلاء يتحلون بالرياء والتقشف فيجعلون الرَّوث مُفَضَّضا[29] ، والكنيف[30] مبيَّضا ، ويزهدون في الذرة ليحصلوا الدرة)[31]
(ب) تضعيفه وأشياعه لكل حديث يخالف منهجهم ، من غير عودة إلى العلل الحقيقية في الحديث لتضعيفه ، فيكفي لذلك أنه مخالف لمنهجهم ، فالحديث يجب أن يتبعهم لا أن يتبعوه ولهذا قال الذهبي مخاطبا ابن تيمية (يا ليت أحاديث الصحيحين تسلم منك ؛ بل في كل وقت تغير عليها بالتضعيف والإهدار ، أو التأويل والإنكار)[32]
(ج) تشنيعه وأتباعه على مخالفيهم حتى تتشوه صورهم في الأذهان ، وقد كانوا لا يترددون في رمي المسلمين بالشرك الأكبر لأتفه الأسباب.[33]
ولمثل ذلك فقد استتيب مرات ، وهو ينقض مواثيقه وعهوده في كل مرة ، ومنع من الفتوى ؛ وعُزِّر وحُبس مراراً ، وكان حبسه الأخير بفتوى من القضاة الأربعة[34] ، وحكموا عليه بأنه ضال يجب التحذير منه كما قال ابن شاكر الكتبي في عيون التواريخ ، وهو من تلامذة ابن تيمية ، وأصدروا عليه حكماً سُمي مرسوم الملك ابن قلاوون يقضي بسجن ابن تيمية بعد أن خاض في مسائل الذات والصفات وأظهر البدع ، وبمنعه من التصرف والظهور ، وبمنع من أصر على أتباعه من القضاء والولاية ؛ وننقل هاهنا مقدمة المرسوم :
(بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله الذي تنـزّه عن الشبيه والنظير وتعالى عن المثل فقال عزَّ وجل {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} أحمده على أن ألهمنا العمل بالسنَّة والكتاب ، ورفع في أيامنا أسباب الشك والارتياب ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، شهادة من يرجو بإخلاصه حسن العقبى والمصير ، وينزِّه خالقه عن التحيُّز في جهة لقوله تعالى {وهو معكم أينما كنتم}وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله الذي نهج سبيل النجاة لمن سلك سبيل مرضاته ، وأمر بالتفكر في آلاء الله ونهى عن التفكر في ذاته ، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه الذين علا بهم منار الإيمان وارتفع ، وشيّد الله بهم من قواعد الدِّين الحنيف ما شرع ، وأخمد بهم كلمة من حاد عن الحق ومال إلى البدع .
وبعد فإن العقائد الشرعية ، وقواعد الإسلام المرعية ، وأركان الإيمان العلية ومذاهب الدين المرضية ، هي الأساس الذي يبنى عليه ، والموئل الذي يرجع كل أحد إليه ، والطريق التي من سلكها فقد فاز فوزاً عظيما ، ومن حاد عنها فقد استوجب عذاباً أليما ، فلهذا يجب أن تنفذ أحكامها ويؤكد دوامها ، وتصان عقائد الملة عن الاختلاف ، وتزان قواعد الأئمة بالائتلاف ، ويفرَّق من فِرَقِها ما اجتمع.
وكان ابن تيمية في هذه المدة قد بسط لسان قلمه ، ومدَّ بجهله عنان كلمه ، وتحدَّث في مسائل الذات والصفات ، ونصَّ في كلامه الفاسد على أمور منكرات ، وتكلَّم فيما سكت عنه الصحابة والتابعون ، وفاه فيما اجتنبه الأئمة الأعلام الصالحون ، وأتى في ذلك بما أنكره أئمة الإسلام ، وانعقد على خلافه إجماع العلماء والحكام ، وشهر من فتاويه في البلاد ما استخفَّ به عقول العوامّ ، وخالف في ذلك فقهاء عصره ، وعلماء شامه ومصره ، وبعث برسائله إلى كل مكان ، وسمّى فتاويه بأسماء ما أنزل الله بها من سلطان… الخ المرسوم)[35]
لقد خاض ابن تيمية في علم الكلام والفلسفة إلى حدٍ كبير – يعمي السلفية عنه أبصارهم - حتى وصل إلى مرحلة آمن فيها بأن الله ليس خالق كل شيء ، ويقول "والأعجب من ذلك حكاية[36] الإجماع على كفر من نازع في أنه سبحانه لم يزل وحده لا شيء معه..)[37] فهل من عجب أن يموت بعد ذلك ابن تيمية في حبسه غير مأسوف عليه بعد أن أشرك مع الله أشياء في القِدَم ؟!
لقد مات بسجن القلعة في دمشق ليلة 22 من ذي القعدة سنة 728هـ.
ونحن نتساءل بعد هذا عن سرِّ هالة التقديس التي يضعها الوهابية اليوم على ابن تيمية ، ما سرُّها والرجل هذا حاله وهذا حكم معاصريه من علماء الإسلام عليه ؟ بل وأي مشيَخة تلك التي يوصف بها فيقال شيخ الإسلام!، إن ذلك بحق تزوير للحقيقة وتشويه للإسلام ليس إلا ، وكأن الإسلام كتب عليه أن يعيش ناقصاً قرابة السبعة قرون حتى يظهر له شيخه ، سبحانك اللهم هذا بهتان عظيم ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.[38]ابن القيِّم الشفيق بإبليسابن القيم الشفيق بابليس
لقد انخدع الكثير من الناس بترويج الحشوية لأرباب نحلتهم ، وإغراقهم المكتبات والمحاضرات بأسماء ينفخونها بنفسهم الخبيث ، كمن يدعُونهما زوراً شيخ الإسلام وتلميذه شمس الدين! ، فيذكرون أقوالهما ويستشهدون بها أكثر من استشهادهم بكتاب الله وسنة رسوله ، وكأن هؤلاء حجة الله على خلقه بين العالمين ، ونحن هنا بصدد تعريف الناس بهذا الملقب بشمس الدين.
هو محمد بن أبي بكر الزرعي ، المعروف بابن قيم الجوزية ، ولد - على رواية ابن رجب - سنة 691 هـ ومات سنة 751 هـ ، وبين ذلك لازم أستاذه ابن تيمية في درسه وفي سجنه بعد أن حكم علماء المسلمين بزيغهما ، ويروي أتباعه بأن هذه الصحبة لم تستمر بعد مماتهما في الآخرة بنفس المنـزلة فيروون أنه (رأى قبل موته شيخه تقي الدين - أي ابن تيمية - في النوم ، وسأله عن منـزلته فأشار إلى علوها فوق بعض الأكابر (لم تحددهم الرواية) ، ثمَّ قال له وأنت كدت تلحق بنا ، ولكن أنت الآن في طبقة ابن خزيمة!)![39]
ونحن لن نعلِّق على هذه الرواية ، ولكن سنذكر شيئاً من علم ابن القيم الذي ينادي به من غير خجل ليرى الناس لماذا حكم عليه علماء المسلمين بالزيغ ، فأودع السجن في دمشق مع أستاذه.
ابن القيم له كتاب يدعى (الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطِّلة) نادى فيه بأن الحكمة تقتضي أن لا يعذِّب الله أحدا عذاباً أبدياً في النار فهذا يتنافى مع رحمة الله على حدِّ زعمه ، وبناء على ذلك فإنه يرى أن كلَّ من في النار سيخرج منها إلى الجنة ، وستفنى النار بعد ذلك ، وبهذا سيكون إبليس اللعين وأبو جهل وأبي ابن خلف وفرعون وهامان وقارون مع الأنبياء والصديقين والشهداء.
فهو يُمَهِدُّ لمراده هذا بقوله (كم من بلاءٍ جلب عافية ، وكم من ذلٍ جلب عزَّا ، وكسرٍ جلب جبراً ، إذا اعتبرت أكثر الخيرات والمسرات واللذات وجدتها إنما ترتَّبت على الآلام والمشاق ، وأعظم اللَّذة وأجلها ما كان سببه أعظمه ألماً ومشقة)[40] ، ولو كان كلامه هذا في تحمل المشاقِّ في الدنيا بالجهاد في سبيل الله ، فما كان أعظمَه وأجملَه ، ولكن المؤسف أنه يعني عذاب أهل النار ، ففي نظره أن أعظمهم مشقة هو أعظمهم نعيما ، فيكون إبليس اللعين صاحب المشقة العظمى في النار هو صاحب أعظم نعيم في الجنة!.
ويستمر في مثل الكلام تمهيداً لما يريده ، حتى يبدأ في البحث عن الحجج لإخراج المشركين من النار فيحتج بأن في قلوبهم أكثر من مثقال الذرة من الإيمان فهم {ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولون الله} والحديث يقول (أخرجوا من النار من كان في قلبه من الخير ما يزن ذرة أو برة)[41]
، وبناء عليه فهم سيخرجون من النار إلى الجنة !، فهو يقول بعد ذلك (فإن النار إنما سعَّرها الشرك والظلم فلا يمتنع في الرحمة والحكمة والعدل! أن يطفئها ويذهبها بعد أن أخذ الحق منهم)[42] ، وسبحان الله أي عدل هذا الذي يجمع بين رسول الله r وأبي بن خلف في جنة الفردوس ! ، ويقول (إنما سعرت بغضب الجبار تبارك وتعالى ، فإذا زال السبب الذي سعرها ، فكيف لا تطفأ ؛ وقد طفئ غضب الرب وزال!)[43] ويستمر في هذا السبيل مماحكاً ، والعجب أنه يستدل بآيات من القران وهي فاضحةٌ لمقصده بيِّنة الدلالة بالخلود ؛ ليُثبت بها فناء نار جهنم ؛ وكأنه مشفق على إبليس وحزبه ، فينقلهم من النار إلى رحمة الله .
وهذا كلام من السخافة بحيث ترى أن لا مدعاة للردِّ عليه ، ويكفي أن لا يوجد نصٌ يدلُ عليه إلا التأويل الأعوج - والغريب أن ابن القيم هذا يصرح بحربه للتأويل في كتابه المذكور[44] - بينما آي القرآن مصرحة بالخلود في النعيم والعذاب ومنها قوله سبحانه وتعالى: {ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها أبدا} وقد حكم سبحانه وتعالى حكماً جازماً على الكافرين في قوله{إنَّ الذين كفروا وظلموا لم يكن الله ليغفر لهم ولا لِيَهديهم طريقا * إلا طريق جهنم خالدين فيها أبداْ وكان ذلك على الله يسيرا} ، ويقول سبحانه {ولهم عذاب مقيم} ، { و لا يجدون عنها محيصاً} ، { ليس مصروفاً عنهم} ، {ثمَّ لا يموت فيها ولا يحيا} ، { وما هم بخارجين من النار} ، {وما هم عنها بغائبين} وغيرها الكثير من الآيات المصرحة بالخلود الأبدي في النار وأن لا طريق للكافرين غيرها فأين المفر من صريح القرآن ، وأحاديث الرسول الكريم واضحة الدلالة بالخلود في النار كذلك ، ومنها قولُ رَسُولِ اللَّهِ r يُؤْتَى بِالْمَوْتِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُوقَفُ عَلَى الصِّرَاطِ فَيُقَالُ يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ فَيَطَّلِعُونَ خَائِفِينَ وَجِلِينَ أَنْ يُخْرَجُوا مِنْ مَكَانِهِمِ الَّذِي هُمْ فِيهِ ثُمَّ يُقَالُ يَا أَهْلَ النَّارِ فَيَطَّلِعُونَ مُسْتَبْشِرِينَ فَرِحِينَ أَنْ يُخْرَجُوا مِنْ مَكَانِهِمِ الَّذِي هُمْ فِيهِ فَيُقَالُ هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا قَالُوا نَعَمْ هَذَا الْمَوْتُ قَالَ فَيُؤْمَرُ بِهِ فَيُذْبَحُ عَلَى الصِّرَاطِ ثُمَّ يُقَالُ لِلْفَرِيقَيْنِ كِلَاهُمَا خُلُودٌ فِيمَا تَجِدُونَ لَا مَوْتَ فِيهَا أَبَدًا)[45] ، وكذلك قوله r: ( مَنْ حَسَا سُمًّا فَسُمُّهُ فِي يَدِهِ يَتَحَسَّاهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا) ، فقوله r (خلود فيما تجدون لا موت فيها أبدا ) و ( فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا )[46] في غير ما حاجة إلى شرح أو تأويل ، والمسلم العاقل الذي يقرأ كتاب الله لا يحتاج إلى دليلٍ لمعرفة الحقِّ في ذلك ، ولكن العجب أن نجد من يروِّج لهذا الفكر السقيم ، ونخصُّ بالذكر الوهابية الذين أحيوا فكر ابن تيمية وتلميذه ابن القيم ، وما ذلك إلا لحبِّ محمد بن عبد الوهاب ومن تبعه - عالماً بطريقته أو مغرراً به - لتشويه دين الله وبلبلة عقول المسلمين ، كما خطط لذلك أساتذة محمد بن عبد الوهاب النصارى الذين لم يكتفوا بتلقينه أصول اللعبة في العراق بل رافقوه حتى بعد عودته إلى نجد حيث الزلازل والفتن كما وصفها رسول الله r ، ليتأكدوا من سيره على المنهج الذين رسموه له كأمثال (هامفر) ، والذين خلفوه من بعد كالمدعو (الكابتن شكسبير) الذي قتل أثناء حرب الوهابية لابن رشيد وقومه ، ومن بعده (جون فيلبي) الذي يسميه الوهابية (الشيخ عبدالله فيلبي!) الذي خطب بهم خطبة فتحهم لمكة المكرمة وأذَّن وصلى بهم ! كما أوضحنا ذلك مع ذكر مصادره التاريخية عند حديثنا عن هجومهم على مكة المكرمة خلَّصها الله من أيديهم اللئيمة.
لماذا انخدع الكثير من الناس بكلام ابن القيم؟
انخدع الكثير من الناس بفكر ا بن القيِّم لسببين رئيسين:
أولهما : الدعاية المغرِّضة التي ينشرها عبدة فكره بين الناس (الحشوية) ، فهم ينفقون أموالهم في سبيل ذلك ليل نهار ، يتمثل ذلك في نشر كتبه ودراسة شخصه وآثاره في جامعات الوهابية بما يشبه التقديس ، والكتابة عنه في المجلات والمنشورات ، وحشر اسمه في كلِّ شيء فلا تكاد تمرُّ معهم خطبة أو درس أو محاضرة إلا واسم ابن القيم وأستاذه ابن تيمية واسطة عقدها ، وهذا سبب تشويشاً كبيراً في أذهان الناشئة وأنصاف المتعلمين حتى كبُرا في أعينهم ، فهما يُذكران قبل الرسول الكريم عليه أفضل الصلاة والسلام وبعده ، حتى أخذ العامة أقوالهما كمسلَّمات ، ولو علموا حقيقتهما لفروا منهما فرار السليم من الأجرب.
ثانياً: ابن القيم كاتب يزوِّر كلامه ويُنَمِّقُه ، فلسفيٌّ في منطِقه ، خبيثٌ في مقاصِدِه ، يلبس الحقَّ بالباطل ، فتراه يُمهِّدُّ لمقصده تمهيداً طويلاً ، وله دهاءٌ عظيم في ليِّ أعناق الآيات والأحاديث النبوية حتى إنه لَيستعين بالأحاديث الموضوعة ، كي يوصل مراده إلى أذهان الناس من غير مفاجئة ، وإن كان ما يريده داهية من الدواهي وطامة من الطامَّات ، ولا يتردد في أن يعمد إلى الآيات والأحاديث التي تخالف مقصوده فيدخلها كشواهد له ، حتى إذا مرَّ عليها القارئ غير البصير ظنَّ أنَّ الشيخ قد سوَّر بناءه بسور متين ، فلم تبق آية إلا وقد استشهد بها ، وهو أسلوب خبيث يدلُّ على مكرٍ عظيم ، واقتداءٍ بأستاذ الشياطين ،إبليس اللعين.
و لايفوتنا هنا أن ننوه بأن بعض الوهابية اليوم اقتنعوا بعدم فناء النار ، ولكنهم يرون أن اجتهاد ابن القيم وأستاذه ابن تيمية في بعض الروايات عنه اجتهادٌ يؤجرون عليه ، مع أنه اجتهاد مخالف للنص الصريح ، فلماذا يؤجر هؤلاء ويُؤزر غيرهم من الذين لا يخالف اجتهادهم النص؟!
ختاماً يجب أن نذكر بإكبار علماء أهل السنّة الفضلاء الذين ردُّوا على ابن تيمية وتلميذه هذا ردوداً مطوَّلة ، ونخص منهم علماء الحنابلة – لأن هذين يدعيان أنهما منهم – الذين جزموا بخروج هذين من الملة الإسلامية لآرائهما المتطرفة ، وقد ذكرنا ستين عالماً من أهل السنة ممن ردوا على ابن تيمية في هذا الكتاب.
محمد بن عبد الوهاب[47]محمد بن عبدالوهاب
ينسب مذهب الوهابية إلى محمد بن عبد الوهاب بن سليمان بن علي التميمي[48].
ولد محمد بن عبد الوهاب بقرية العيينة سنة [49]1111 وتوفي سنة [50]1207هـ فيكون عمره ستاً وتسعين سنة وأخذ في أول أمره عن كثير من علماء مكة والمدينة وكانوا يتفرسون فيه الضلال والإضلال وكان والده عبد الوهاب من العلماء الصالحين وكان يتفرس فيه ذلك ويذمَّه كثيرا ويحذر الناس منه[51] وكذا أخوه سليمان بن عبد الوهاب أنكر عليه ما أحدثه وألف كتابا في الرد عليه .
وكان في أول أمره مولعا بمطالعة أخبار مدعي النبوة كمسيلمة وسجاح والأسود العنسي وطليحة الأسدي وأمثالهم ، وابتدأ ظهور أمره سنة 1143 هـ.
وكان يتردد على مكة والمدينة في صغره للأخذ من علمائها بتوجيه من أبيه ، وممن جالسه في المدينة من العلماء : الشيخ محمد بن سليمان الكردي ، والشيخ محمد حياة السندي ، وكان الشيخان المذكوران وغيرهما من المشايخ الذين أخذ عنهم يتفرسون فيه الغواية ، والإلحاد ويقولون : "سيضل الله تعالى هذا ، ويضل به من أشقاه من عباده " فكان الأمر كذلك ، وكان أبوه عبد الوهاب (وهو من العلماء الصالحين ) يتفرس فيه الإلحاد ، ويحذر الناس منه ، وكذلك أخوه الشيخ سليمان . .[52].
وكان جده سليمان راعيا فقيراً رأى في منامه كأن شعلة نار خرجت منه وانتشرت في الأرض وصارت تحرق من قابلها فقصها على معبر فعبرها بأن ولدا له يحدث دولة قوية فتحققت الرؤيا في حفيده محمد بن عبد الوهاب .
تعريف سليمان هذا:
يروي مشايخ نجد أن سليمان هذا اسمه الحقيقي شولمان قرقوزي (أي بائع البطيخ) من يهود الدونمة ، خرج من بلدة بورصة بتركيا ، مع زوجته إلى بلاد الشام ، فأصبح اسمه سليمان بن علي ، واستقر في ضاحية ( دوما ) في دمشق ، وأخذ يتاجر بالدين هذه المرة لا بالبطيخ ، فاكتشفه أهالي سوريا ، ورفضوا تجارته ، وربطوا قدميه ، وضربوه ضرباً أليما ، وبعد عشرة أيام أفلت من رباطه ، وهرب إلى مصر ، وما هي إلا مدة وجيزة وطرده المصريون ، فسار إلى الحجاز واستقر في مكة ، وأخذ يشعوذ فيها باسم الدين فاكتشفه أهالي مكة فطردوه ، فسار إلى المدينة المنورة ، لكنهم أيضا طردوه .. كل ذلك في مدة لا تتجاوز الأربع سنوات ، فغادر إلى نجد واستقر في بلدة اسمها العيينة ، وهناك وجد مجالا خصباً للشعوذة ، فاستقر بنجد وادَّعى أنه من سلالة ربيعة ، وأنه سافر به والده صغيراً إلى المغرب العربي.[53]
ورغم أننا نؤمن أن من الأعراب من هو أشد خطراً على الإسلام من اليهود والنصارى ، حتى قال الله سبحانه وتعالى فيهم { الأعراب أشد كفراً ونفاقاً وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله } فإن هذه الرواية لا تستبعد ، و لا يضير ذلك عبد الوهاب وابنه سليمان حيث اشتهرا بحسن الإسلام ، ويكون هذا المدعو محمداً قد نزغه عرقه اليهودي ، وفي تدميره لبلدته العيينة دليل على ذلك ، إذ حب الوطن من الإيمان وكيف لمسلم قتل أهله وعشيرته الموحدين ، ومن رأى صورة الحفيد محمد هذا في كتاب الفرقة الوهابية في خدمة من ؟! وهو يخطب على أجساد المسلمين في النجف بالعراق بعد أن غزاها وأنصاره لن يشك في يهوديته.
مبدأ الشيخ:
زوَّج أمير العيينة عثمان بن حمد بن معمر ابنة عمه الجوهرة بنت عبدالله بن معمر لمحمد بن عبدالوهاب فقال الشيخ للأمير (إني آمل أن يهبك الله نجداً وعربانها)[54] !! ولك أن تتأمل في هذا الكلام وتحلل شخصية قائلها على ضوئها ، فقيمة المسلمين في نظر شيخ الإسلام الذي جاء ليحرر البشرية في جزيرة العرب من نير الشرك وأغلال الضلال لا تتجاوز أن يكونوا عبيداً يوهبون وأرضهم للسادة الأمراء ؛ ولكن الأمير لم يلبث أن طلب منه الخروج من أرضه بعد إصرار قائد الإحساء والقطيف سليمان بن محمد بن غرير الحميدي القوي[55] وأهل حريملاء والبصرة على قتله لإثارته القلاقل والفتن ؛ فالتجأ إلى أمير الدرعية محمد بن سعود فما كان من الشيخ إلا أن وعده أيضاً (أن تكثر الغنائم عليه والأسلاب الحربية التي تفوق ما يتقاضاه من الضرائب)[56] ثم انقلب على ختنه فاغتاله في المسجد !
إن مبدأ الشيخ كان واضحا (الوهابية أو السيف).
ظهور أمره:
يقول مفتي مكة المكرمة الشيخ أحمد بن زيني دحلان في كتابه (خلاصة الكلام في أمراء البيت الحرام): (كان ابتداء ظهور محمد بن عبد الوهاب سنة 1143هـ واشتهر أمره بعد الخمسين فاظهر العقيدة الزائفة بنجد وقراها فقام بنصره محمد بن سعود أمير الدرعية فحمل أهلها على متابعته فتابعوه وما زال يطيعه كثير من أحياء العرب حتى قوي أمره فخافته البادية وكان يقول لهم إنما أدعوكم إلى التوحيد وترك الشرك بالله) .
ويقصد بالتوحيد عقيدة التجسيم ودعوى فناء النار ، وهذا أكثر ما أثر في دعوته التي ورثها عن ابن تيمية وابن القيِّم ، يقول الألوسي في تاريخه : ( أن ابن عبد الوهاب نشأ في بلد العيينة من بلاد نجد فقرأ على أبيه الفقه على مذهب أحمد بن حنبل وكان من صغره يتكلم بكلمات لا يعرفها المسلمون وينكر عليهم أكثر الذي اتفقوا على فعله لكنه لم يساعده على ذلك أحد فسافر من العيينة إلى مكة المشرفة ثم إلى المدينة ثم عاد إلى نجد ثم رحل إلى البصرة وأظهر هناك من الزيغ ما دعا المسلمين إلى طرده فخرج هاربا إلى بلد (حريملاء) فوقع بينه وبين أهلها نزاع بسبب آرائه فنهاه أبوه عن ذلك فسكن إلى أن مات أبوه بعد سنتين أي عام 1153 هـ ، فتجرأ على إظهار عقائده التي ترمي أهل الإسلام بالشرك ، وتبعه حثالة من الناس إلى أن غص أهل البلد من مقالاته فهموا بقتله فانتقل من حريملة إلى العيينة ، ورئيسها يومئذ عثمان بن أحمد بن معمر ، وطلب منه مناصرته وقال له : (إن نصرتني ملكت نجداً) فلم يسمع منه وخرج إلى الدرعية سنة 1160 هـ ، وهي بلدة مسيلمة الكذاب ، فبايعه محمد بن سعود فخرجا لقتال المسلمين . ومات ابن عبد الوهاب سنة 1206هـ)[57]
لقد كان بقاء محمد بن عبد الوهاب هذا في البصرة نقطة تحول جذري في حياته ، حيث وجد فيه رجال المخابرات البريطانية ضالتهم ، فهو شاب مهووس بجنون العظمة ، يتجرأ على الفتيا ويدعي الاجتهاد ، ويريد الوصول إلى الشهرة بأقصر السبل ، فما كان من ضابط بالمخابرات البريطانية ، ويدعى المستر همفر إلا أن تبنى قضيته ، ولازمه في صداقة حميمة ، ليصنع منه زعيماً روحياً تموت على يديه روح الجهاد المقدس ضد المستعمرين النصارى والتي عانى منها الإنجليز الأمرَّين في شبه القارة الهندية ، ويتحول الجهاد إلى فتك بالمسلمين بدعوى محاربة الشرك والوثنية وعبادة القبور على الرغم من أن الرسول الكريم صلى الله عليه وآله وسلم قد نصَّ على أن الشيطان قد آيس أن يعبده المسلمون عموماً وأهل الجزيرة خصوصاً في قوله صلى الله عليه وآله وسلم : (قَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ أَنْ يَعْبُدَهُ الْمُسْلِمُونَ وَلَكِنْ فِي التَّحْرِيشِ بَيْنَهُمْ )[58] ، وقوله : (إنَّ الشَّيطانَ قد أيِس أنْ يَعبدَه المصلُّونَ في جَزيرةِ العَربِ ولكنْ في التَّحريشِ بينَهم )[59] ، وقوله في آخر حياتهr (.. وَإِنِّي لَسْتُ أَخْشَى عَلَيْكُمْ أَنْ تُشْرِكُوا وَلَكِنِّي أَخْشَى عَلَيْكُمُ الدُّنْيَا أَنْ تَنَافَسُوهَا)[60]
لقد عاد حفيد شولمان المسمى زوراً محمد ، كما سُمِّي المستر فيلبي زورا (الشيخ عبدالله ) من البصرة هارباً إلى العيينة يرافقه أستاذه همفر - الذي كتب مذكراته[61] مع ابن عبد الوهاب - ومجموعة من رجال المخابرات البريطانية في صورة رقيق اشتراهم من البصرة ، وسرعان ما اتفق مع محمد بن سعود أمير مدينة الدرعية في نجد فقوي كل منهما بالآخر حيث تقاسما السلطة : لابن سعود السلطة السياسية ، ولابن عبد الوهاب السياسة الدينية ، حيث ما يزال عقبه يتولون الزعامة الدينية ويُدعَون (آل الشيخ ).[62]
ولقد خرجت حملاتهم تستبيح الدماء وتسبي الذراري وتغنم المسلمين ؛ فكانت حروبهم (جهاداً) وغاراتهم (غزوات) وانتصاراتهم (فتوحات) ورعاياهم (مسلمون) والخروج على طاعتهم (رِدَّه)![63]
أول غاراته على المسلمين:
لقد سارت أول سرية للإغارة على المسلمين في بلاد الجزيرة بمباركة الشيخ حيث يقول مؤرخ الوهابية عثمان بن بشر النجدي: ( ثم أمر الشيخ (أي محمد بن عبد الوهاب) بالجهاد وحضهم عليه فامتثلوا ، فأول جيش غزا سبع ركايب ، فلما ركبوها وأعجلت بهم النجائب في سيرها سقطوا من أكوارها لأنهم لم يعتادوا ركوبها، فأغاروا أظنه على بعض الأعراب فغنموا ورجعوا سالمين)[64] ونحن نتساءل عن الموجب للإغارة على هؤلاء الأعراب ؟! وما هو المسوغ لأخذ مالهم غنيمة ؟! .
وبعد خمس عشرة سنة اتسعت ولاية الوهابية نتيجة الغارات ؛ وتركيع القبائل البدوية المجاورة التي كان يغلب عليها الجهل فتبعت المذهب الوهابي ، حيث جمعوا أموالاً عظيمة من الغارات ، وصار جيشهم يربو على مائة وعشرين ألف مقاتل .
تقواه وورعه:
نسرد هنا مثالين بسيطين من أفعاله كافية لأن تهوي به في قعر نار جهنم ، تحقيقاً لقول الله سبحانه في قاتل المؤمن متعمداً وبغير حق ، وإلا فإن تأريخ قدوة الوهابية هذا زاخر بدماء المسلمين:
1. قال الشيخ أحمد زيني دحلان : (وهم يمنعون من الصلاة على النبي r على المنائر بعد الأذان حتى إن رجلا صالحا كان أعمى وكان مؤذنا وصلى على النبي r بعد الأذان بعد أن كان المنع منهم ، فأتوا به إلى محمد بن عبد الوهاب فأمر به أن يقتل فقتل ، ولو تتبعت لك ما كانوا يفعلونه من أمثال ذلك لملأت الدفاتر والأوراق وفي هذا القدر كفاية)اهـ.
2. . لقد هجم محمد بن عبد الوهاب على بلدته الأصلية العيينة فجعلها قاعاً صفصفاً ؛ حيث اغتال حاكمها عثمان بن حمد بن معمر في مصلاه بالمسجد يوم الجمعة وسماه مشركاً ، وهو كما قالت عاتكة:شَلَّت يمينك إنْ قتلتَ لمسلماً *** حَلَّتْ عليك عقوبةُ المتعمِّد
ثمَّ قتل رجالها كلهم وهدم بيوتها وأحرق أشجارها وقطع نخيلها واستولى على النساء والحيوانات وتركها خراباً ، وحرَّم بناءها أو سكناها منذ مئتي سنة وزعم كذباً وفجوراً أن الله أرسل للعيينة الجراد فأكلها عن آخرها![65]
أمانته:
يقول مؤرخهم عثمان بن بشر النجدي في كتابه (عنوان المجد في تاريخ نجد)[66] : (وكان الشيخ -رحمه الله- لما هاجر إليه المهاجرون[67] ، يتحمل الدَّين الكثير في ذمته لمؤونتهم وما يحتاجون إليه ، وفي حوائج الناس وجوائز الوفود إليه من أهل البلدان والبوادي ، ذكر لي أنه حين فتح الرياض وفي ذمته أربعون ألف محمدية (عملة نقدية) فقضاها من غنائمها)[68] مع أن أهل الرياض كانوا حنابلة لكنهم استباحوا أموالهم ، فترى أنه قضى أربعين ألف محمدية من أموال أهل الرياض ، كيف استباح الشيخ ذلك من هؤلاء الناس ؟! أليسوا أهل عقيدة ؟! ألا يقولون لا إله إلا الله محمد رسول الله ؟! أما في كلمة "لا إله إلا الله " معصم لهؤلاء ؟! تم قال : (وكان لا يمسك على درهم ولا دينار، وما أوتي إليه من الأخماس) ولنقف عند كلمة الأخماس ، فإنه لا يخمَّس إلا ما يغنم من مال المشرك أما مال المسلم فلا يخمس بأي حال من الأحوال .
يقول : (وما أوتى إليه من الأخماس والزكاة يفرقه في أوانه ، وكان يعطى العطاء الجزيل بحيث إنه يهب خمس الغنيمة العظيمة للاثنين أو الثلاثة ، فكانت الأخماس والزكاة وما يجبى إلى الدرعية من دقيق الأشياء وجليلها تدفع إليه بيده ، ويضعها حيث يشاء)[69]. أليس هذا وبكل وضوح هو أسلوب عصابات اللصوص قطَّاع الطرق الذين يتقاسمون المسروقات بعد كلِّ غارة ؟!.
بل وكان من عادة ابن عبد الوهاب وأتباعه أسر النساء والأطفال ، ولم تنتشر سرقة الأطفال في أرض الجزيرة العربية وبيعهم في أسواق نجد إلا بعد ظهور الوهابية.[70]
من أفعال الشيخ
كان يمنع أصحابه من مطالعة كتب التفسير والفقه والحديث ويحرقها ، وينكر علم النحو واللغة ويقول إن ذلك بدعة![71].
وكان يأذن لأتباعه أن يفسّروا القرآن بحسب أفهامهم بلا التفات إلى القواعد الصرفية والبيانية والمنطقية ، ويقول لعماله : اجتهدوا بحسب فهمكم ونظركم واحكموا بما ترونه مناسباً لهذا الدين ولا تلتفتوا لهذه الكتب التي فيها الحق والباطل[72].
وإذا أراد أحد أن يدخل دينه يقول له بعد الإتيان بالشهادتين: (إشهد على نفسك إنك كنت كافرا ، واشهد على والديك أنهما ماتا كافرين ، واشهد على فلان وفلان – ويسمِّي له جماعة من أكابر العلماء الماضين – أنهم كانوا كفارا ، فإن شهدوا قَبِلَهم وإلا أمر بقتلهم. وكان يصرِّح بتكفير الأمة منذ ست مائة سنة.[73]
وكان يكفِّر كل من لا يتَّبعه وإن كان من اتقى المتَّقين فيسمِّيهم مشركين ، ويستحل دماءهم وأموالهم.
ويثب الإيمان لمن اتبعه وإن كان من أفسق الفاسقين.
وكان ينتقص النبي r بعبارات مختلفة زاعماً أن قصده المحافظة على التوحيد.
وكان يسمي جماعته من أهل بلده الأنصار ويسمّي من اتبعه من الخارجين المهاجرين ، وإذا تبعه أحد وكان قد حجّ حجة الإسلام يقول له : حجَّ ثانيا فإنّ حجتك الأولى فعلتها وأنت مشرك فلا تقبل ، ولا تُسقط عنك الفرض ! [74]
ومن البدع التي أخرجها هو وقومه ترك العمائم ، مع أنها من السنة ، وهي تيجان العرب ، فترى أتباعه اليوم شغلهم الأكبر في صلاتهم إصلاح هيئة الخرق الحمراء ! التي تنسدل على جباههم وجنوبهم .
عقيدته:
أهم ما يميز العقيدة التي تبناها الشيخ الجوانب الأربعة التالية:
1. تجسيم وتشبيه الله سبحانه وتعالى بخلقه وفرية أنه التحيُّز في جهة تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
2. دعوى محاربة عبادة القبور وتحريم التوسل بالنبي r وزيارته.
3. تكفير المسلمين ورميهم بالشرك.
4. استحلال دماء المخالفين وأموالهم.

علمه:
حينما تسمع بدعوى التجديد تحسب أن هذا الشيخ قد ترك الكثير من النفائس الفكرية ، وأنه قد ملأ المكتبة الإسلامية علماً ونوراً ، ولكن الحقيقة بخلاف ذلك تماماً فلا يوجد للشيخ متن واحد في العلم يصلح أن يدرس ، بينما ترك نتفاً هي في أضخم أحوالها كتيبات ، وهي مع ذلك مليئة بالجهل والتخليط والانتصار بالأحاديث الضعيفة والموضوعة ، ولدلالة على ذلك فقد اخترنا أشهرها لديهم وهو (كتاب التوحيد) وعرضنا بعض ما فيه من جهل وتخبيط يريك ما عليه شيخ النجدية من ضلالة.
من أقوال العلماء فيه[75]:
أقوال العلماء في هذا الزائغ لا يتسع لها مقالنا ولكن نورد التالي:
· قال له أخوه سليمان يوماً : كم أركان الإسلام يا محمد ؟ فقال خمسة ، فقال أنت جعلتها ستة ، السادس : من لم يتبعك فليس بمسلم.
· وقال عنه الأمير الصنعاني صاحب سبل السلام :
وقد جاء من تأليفه برسائـل *** يكفِّر أهل الأرض فيها على عمد
ولفق في تكفيرهم كل حجة *** تراها كبيت العنكبوت لدى النقد
وصدق والله
· وقال عنه مفتي الحنابلة في مكة المكرمة الشيخ محمد بن عبدالله النجدي الحنبلي ت 1295هـ في كتابه (السحب الوابلة علىضرائح الحنابلة) في ترجمة والد محمد بن عبد الوهاب ما نصه : ( وهو والد محمد صاحب الدعوة التي انتشر شررها في الآفاق ، لكن بينهما تباين مع أن محمداً لم يتظاهر بالدعوة إلا بعد موت والده وأخبرني بعض من لقيته عن بعض أهل العلم عمّن عاصر الشيخ عبد الوهاب أنه كان غضبان على ولده محمد لكونه لم يرض أن يشتغل بالفقه كأسلافه وأهل جهته ويتفرس فيه أن يحدث منه أمر ، فكان يقول للناس : يا ما ترون من محمد الشر ، فقدر الله أن صار ما صار .. ثم قال عن تمجيده لابن تيمية وابن القيم : ..يرى كلامهما نصاً لا يقبل التأويل ، ويصول به على الناس .. وقال عن تسليم الله لأخيه سليمان من شره بعد أن ألَّف رسالته (فصل الخطاب في الرد على محمد بن عبد الوهاب)..إنه كان إذا باينه أحد ولم يقدر على قتله مجاهرة يرسل إليه من يغتاله في فراشه أو في السوق ليلاً لقوله بتكفير من خالفه واستحلاله قتله) فكيف لمن كان هذا حاله أن يبرز في العلم وهو لم ينفر للتفقه في الدين ، وكيف له أن يفلح عند الله وقد أغضب والده الصالح؟!
· وقال عنه الشيخ محمد أمين بن عابدين الحنفي في رد المحتار على الدر المختار (4/262) كتاب البغاة عند حديثه عن الوهابية : (خرجوا من نجد وتغلَّبوا على الحرمين ، وكانوا ينتحلون مذهب الحنابلة ، لكنهم اعتقدوا أنهم هم المسلمون وأن من خالف اعتقادهم مشركون)
· وقال عنه العلامة جميل صدقي الزهاوي في الفجر الصادق : (الوهابية فرقة منسوبة إلى محمد بن عبد الوهاب . وابتداء ظهور محمد هذا كان سنة (1143 هـ ) ، وإنما اشتهر أمره بعد الخمسين فأظهر عقيدته الزائفة في نجد، وساعده على إظهارها محمد بن سعود أمير الدرعية بلاد مسيلمة الكذاب مجبرا أهلها على متابعة ابن عبد الوهاب هذا، فتابعوه ، ومازال ينخدع له في هذا الأمر حي بعد حي من أحياء العرب حتى عمت فتنته ، وكبرت شهرته ، واستفحل أمره فخافته البادية. وكان يقول للناس : ما أدعوكم إلا إلى التوحيد، وترك الشرك بالله تعالى في عبادته ، وكانوا يمشون خلفه حيثما مشى حتى اتسع له الملك)[76].
· وقال الشريف عبد الله بن الشريف حسين باشا في (صدق الخبر في خوارج القرن الثاني عشر )الصفحة الأولى: إن ابتداء ظهور ابن عبد الوهاب ببدعته في نجد كان سنة 1143 هجرية ثم كان استيلاء الوهابيين على مكة سنة 1218 هـ فتسمية الوهابيين بخوارج القرن الثاني عشر هي مبنية على ابتداء ظهور بدعتهم ، لا على ابتداء استيلائهم الأول على مكة).
وقد رد بعض أتباع الأئمة الأربعة عليه وعلى مقلديه بتآليف كثيرة جيدة:
وأول من ردَّ عليه أكبر أساتذته الشيخ محمد بن سليمان الكردي مؤلف حواشي شرح ابن حجر على متن بافضل (وهو متن مشهور في المذهب الشافعي) ، فقال في جملة من كلامه (يا ابن عبد الوهاب كفَّ لسانك عن المسلمين) والمؤسف أنه لم يكف لا لسانه ولا يده .
وممن رد عليه من الحنابلة : أخوه سليمان بن عبد الوهاب في كتابين تعرضنا لأحدهما .
ومن حنابلة الشام : آل الشطّي ، والشيخ عبد القدومي النابلسي في رحلته ، أما من المعاصرين فعدد لا يحصى من العلماء .
وممن نص على خروجه من الملة:
العلامة المحقق ابن عابدين الحنفي في حاشيته (رد المحتار على الدر المختار)، في باب البغاة،
والشيخ الصاوي المصري في حاشيته على الجلالين لتكفيره أهل (لا إله إلا الله محمد رسول الله ) برأيه.
انخداع الناس به:
لقد وجد الشيخ في نجد مرتعاً خصباً ، حيث عشش الجهل فيها وباض ، فسارت في ركابه رضاً وكرها ، وتسامع الناس بدعوته التي تحول قطاع الطرق في نجد إلى دعاة للتوحيد وهدم القباب والقبور ، فانخدع الكثير من البسطاء به ، بل وانخدعت به طائفة من العلماء الذين يسمعون به ولا يرونه لبعدهم عنه ، مثلما انخدع الكثير من الناس بالطاغية أتاتورك ، حتى قال فيه شوقي :
(يا خالد الترك جدِّد خالد العربِ) ، وممن انخدع به العلامة الصنعاني صاحب سبل السلام ، فقال فيه:سلامٌ على نجدٍ ومن حلَّ في نجْــــدِ وإن كان تسليمي على البعد لا يجدي
حتى إذا أتاه الخبر اليقين قال:رجعت عن القول الذي قلت في النجدي فقد صحَّ لي عنه خلاف الذي عندي[77]
ومنها ما ذكرنا في مقالنا ، وكذلك انخدع به السيد محمد رشيد رضا منشئ مجلة المنار فألف كتابه الوهابيون والحجاز ، وما ذلك إلا لكراهيته للأشراف وحبه في زوال دولتهم فليتنبه المسلم.
دعوى رجوعه إلى الحق:
بعد انقسام الوهابية اليوم إلى عدة جبهات ، تدعي بعضها أن الشيخ تاب مما كان عليه ، بعد أن رأى أن الأمر قد خرج عن دائرة الدعوة إلى قتل المسلمين وسرقة أموالهم وسبي نسائهم ، وطلب الدنيا بتوسيع رقعة النفوذ بأي ثمن كان. وهذا الكلام مردود باطل لا يقوله إلا متابع للعاطفة لا للحقيقة ، فإن الغارات وفرق الاغتيال من مبتدئها ما كانت تخرج إلا بمباركة الشيخ وتوجيهه وذلك باعتراف أشياع الشيخ ، أما قعوده في آخر حياته فيوضحه مؤرخ الوهابية الشيخ عثمان النجدي بقوله ( فلما فتح الله الرياض واتسعت ناحية الإسلام وأمنت السبل وانقاد كل صعب من بادٍ وحاضر جعل الشيخ الأمر بيد عبد العزيز وفوض أمور المسلمين وبيت المال إليه وانسلخ منها ولزم العبادة وتعليم العلم ، ولكن ما يقطع عبد العزيز أمراً دونه ولا ينفذه إلا بإذنه)[78] هذه هي الحقيقة باعتراف الوهابية ، وفي هذه المقالة أكثر من جانب للتحليل عن تواطؤ الشيخ على الإسلام والمسلمين ، ويجب أن تتنبه إلى إشارته إلى اتساع رقعة الإسلام بفتح الرياض !! فإلى هذا التاريخ لم يدخل الوهابية مكة والمدينة أي أن الإسلام لم يدخلهما بعد
هذا باختصار شديد ، وإلا فإن شخصاً كمحمد بن عبد الوهاب يحتاج إلى دراسة متأنية لخطورة دعوته ، وعموم فتنتهالألباني محدِّث السلفيةالالباني محدث السلفية
الشيخ ناصر الألباني يصرح الوهابية بأن الأرض أجدبت من أهل الحديث حتى ظهر هو ، فيصفه ابن باز بأنه أعلم من على أديم الأرض بالحديث ، ويصفونه بقولهم (محدِّث العصر) ، وفي المقابل فإنَّ علماء الحديث من غير الوهابية يسمُّون الألباني (بالشيخ المتناقض) فما سرُّ هذا التضارب في التسميات يا ترى ، ومن هو على الصواب ؟!
لتعلم الحق يقيناً فإنني سأنقل لك الحقائق والبراهين موثقة ، وباختصار من عدَّة كتب ، أولها كتاب ( تناقضات الألباني الواضحات فيما وقع له في تصحيح الأحاديث وتضعيفها من أخطاء وغلطات)[79] للشيخ حسن بن علي السقاف الشافعي المذهب ، وما سأنقله لا يشكل إلا شيئاً يسيراً من الجزء الأول:
1. الألباني يعيب على أئمة الحديث الجهل به وهو مخطئ :
الألباني مثله مثل باقي الحشوية لا يتردد في الانتقاص من المسلمين حتى وإن كانوا قد انتقلوا إلى الدار الآخرة وحتى وإن كانوا أئمة الحديث ؛ فيصف الحافظ السيوطي بأنه (يجعجع ) (السلسلة الضعيفة 4/198) ويقول عنه في نفس الكتاب (3/479) : (فيا عجباً للسيوطي كيف لم يخجل من تسويد كتابه …) ويصفه بالتناقض (4/182) ويصف الإمام الذهبي بهذا الوصف أيضا في نفس الكتاب (4/442) ويصف بذلك أيضاً الحافظ ابن الجوزي بالتناقض والإساءة (سلسلته الصحيحة 1/193) وكذلك يصف ابن حبان بالتناقض (الضعيفة 3/267) ولا يتردد أن يصف الحافظ ابن حجر بذاك أيضاً (الضعيفة 3/266) وقد كان في كلِّ أحواله مثال التناقض الواضح وإليك مثالاً واحداً على تخبطه :
· عاب على الإمام السيوطي والمناوي والإمام المحدِّث عبدالله بن الصديق الغماري إيرادهم لحديث (أفش السلام ، وأطعم الطعام ، وصل الأرحام ، وقم بالليل والناس نيام ، ثمَّ ادخل الجنة بسلام ) فقال في (سلسلته الضعيفة) (3/492) بعدما عزاه لأحمد (2/295) وغيره : (قلت وهذا إسناد ضعيف ، قال الدارقطني : أبو ميمونة عن أبي هريرة ، وعنه قتادة :مجهولٌ متروك) ثمَّ قال الألباني في نفس الصحيفة : (تنبيه : قد وقع للسيوطي ثم للمناوي خبط في لفظ هذا الحديث وسياقه ، بينته في المصدر الآنف الذكر برقم (517) وكذا أخطأ الغماري بإيراده في كنـزه ) اهـ.
أقول (أي الشيخ السقاف) : بل أنت وقعت في الخبط والخطأ الأعظم ، بل والتناقض الأكبر ، والدليل على ذلك أنك صححت هذا الحديث بعينه وبنفس سنده في موضع آخر وأنت لا تدري ، حيث قلت في (إرواء غليلك) (3/238) ما نصُّه : أخرجه أحمد (2/259) والحاكم … من طريق قتادة عن أبي ميمونة . قلت (أي الشيخ الألباني) : وإسناده صحيح ، رجاله رجال الشيخين غير أبي ميمونة وهو ثقة ، كما في (التقريب) وقال الحاكم : صحيح الإسناد ووافقه الذهبي))اهـ.
2. الألباني يخطئ المحدِّثين والحفاظ في عزوهم أحاديث لبعض كتب السنَّة مع كون تلك الأحاديث موجودة فيها :
مثال ذلك ما قاله الألباني في صحيحته (1/760 حديث 468 الطبعة 4) في حديث (إذا نعس أحدكم في المسجد يوم الجمعة فليتحول من مجلسه ذاك إلى غيره ) : (( قال الترمذي : حديث حسن صحيح ، وقال الحاكم : صحيح على شرط مسلم ! ووافقه الذهبي ! كذا قالا ! وابن إسحق مدلِّس ، وقد عنعنه في جميع الطرق عنه …)اهـ ، أقول (أي الشيخ السقاف) : كذا قال ‍‍ وانظر كيف يغلِّط الحافظ الترمذي وكذا الحافظ الذهبي ، علماً بأنه هو الغلطان الواهم ، وذلك لأن ابن إسحق لم يعنعنه في جميع الطرق بل قد صرَّح بالسماع في كتاب مطبوع بين يدي الألباني وأمام عينيه ، وذلك الكتاب هو مسند الأمام أحمد ، فلينظره فيه (2/135)[80] وليتدبر ذلك) .
3. الألباني يعزو الحديث إلى بعض كتب الحديث مع كون الحديث غير موجود فيها :
يفعل الألباني ذلك في مواضع كثيرة ، وخصوصاً في (صحيح الجامع وزيادته) و (ضعيف الجامع وزيادته) تابعاً في ذلك من نقل عنه فينقل حتى الأخطاء ، مثال ذلك :
يقول الألباني في كتاب (صفة الصلاة) الطبعة 6 ، ص (170) عن حديث وائل بن حُجْر الذي ذكر فيه وضع اليدين في التشهد فقال : (ثمَّ رفع إصبعه فرأيته يحركها يدعو بها)[81] ما نصه : (رواه أبو داود…)اهـ.
قلت : ليس كذلك ، والحديث لم يروه أبو داود ، وإنما رواه غيره .

4. قصور إطلاع الألباني في مواضع لا تحصى وأمثلة على ذلك :
الألباني يرمي العلماء بالقصور العلمي ويزدريهم على ذلك ، ويحاول التشبه بالحفاظ السابقين بقوله عن بعض الأحاديث : (لم أقف على سنده) ويرمي الكثير من الحفاظ بالغفلة مع أنه أهل ذلك وإليك الأمثلة:
· أََثَرُ سيدنا علي t : (إذا بلغ النساء الحقاق فالعصبة أولى ، ومن شهد فليشفع بخير) قال الألباني في (إرواء الغليل)(6/251 برقم 1847) في تخريجه : (لم أقف على إسناده)اهـ. ، أقول (أي الشيخ السقاف) : كذا قال ! ولو كان جهبذاً لعرف أنه في سنن البيهقي (7/121) ، وهناك إسناده مذكور بأكمله.
· قال الألباني في (إرواء الغليل) (3/283) (حديث ابن عمر (القبلات ربا) لم أقف على سنده)اهـ. قلت : كذا قال !! مع أنه مذكور بسنده في فتاوى الشيخ ابن تيمية المصرية (3/295) ورجاله رجال الصحيح .
· حديث ابن مسعود t : (أنزل القرآن على سبعة أحرف لكل آية منها ظهر وبطن ولكل حد مطلع ) قال الألباني في تخريج (مشكاة المصابيح )لشرح السنَّة مانصه : (لينظر في أي مكان رواه في (شرح السنَّة) فإني راجعته في (العلم) وفي (فضائل القرآن) منه فلم أره)اهـ. ، قلت (أي الشيخ السقاف) : كذا قلت !! ولو كنت راجعتَه حقاً في (العلم) لوجدته في (باب الخصومة في القرآن) من (شرح السنَّة) (1/262) ، وقد رواه ابن حبان وأبو يعلى والطحاوي والبزار والهيتمي وعزاه للبزار وأبي يعلى والطبراني في (الأوسط) وقال : رجال أحدهما ثقات.

5. الألباني يحرف كلام العلماء أو يبتر منه ما ليس في صالحه[82]:
ولخطورة هذا الباب فإننا سنذكر هنا أكثر من مثال ، وقد ضرب الشيخ السقاف صفحاً عن كل نقولات الألباني لكلام العلماء الذي يفهمه على غير وجهه ويقتطع من سياقه وسباقه أو من وسطه وإليك الأمثلة:
· أراد الألباني أن يضعِّف حديثاً خالف رأيه ، فلم يدر كيف السبيل إلى ذلك ، فاحتال لذلك أن نقل جزءاً من ترجمة رجل في سنده من الثقات من (كامل) ابن عدي وحرَّفها ، والرجل هو (عائذ بن حبيب) فقال عنه في إروائه (2/243): (الثالث : لو كان صريحاً في الرفع فهو شاذ أو منكر ، لأنَّ (عائذ بن حبيب) وإن كان ثقة فقد قال فيه ابن عدي : (روى أحاديث أنكرت عليه).. قلت : ولعل هذا منها…)اهـ.
أقول (أي الشيخ السقاف): كلا ، هذا ليس منها ، وابن عدي لم يقل ما ذكرته عنه ، بل إن نقلك عنه كان محرفاً ، فابن عدي قال في الكامل (5/1993) : (روى عن هشام بن عروة أحاديث أنكرت عليه وسائر أحاديثه مستقيمة)اهـ فأين هذا مما نقلت ، وخصوصاً أنّ هذا الحديث لم يروه حبيب عن هشام بن عروة ! فليتأمل المنصفون ، وليرجع المعاندون !! إن كانوا يتقون الله تعالى !!.
· نقل الألباني في كتابه (تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد) ص (34)[83] نصاً عن العلامة الفقيه ابن حجر الهيتمي وحذف من وسطه ما ليس في صالحه ، تحقيقاً للأمانة العلمية التي يتمتع بها ! وقد ابتدأ بنقل كلام ابن حجر ففتح قوسين ( (( ) وخَتَمَه كذلك بقوسين ( )) ) وبلفظة انتهى تأكيداً لتغرير القراء وتضليلهم عن تمام ذلك النقل ، وإنني أورد لكم تمام الكلام وأضع ما حذفه باللون الأسود الواضح بين قوسين ، فإليكم ذلك .
قال في (تحذير الساجد) ص (34) : (مذهب الشافعية أنه كبيرة : قال الفقيه ابن حجر الهيتمي في (الزواجر عن اقتراف الكبائر) (1/120): الكبيرة الثالثة والرابعة والخامسة والسادسة والسابعة والثامنة والتسعون اتخاذ القبور مساجد ، وإيقاد السُرُجِ عليها ، واتخاذها أوثاناً ، والطواف بها واستلامها والصلاة إليها.
ثم ساق – ابن حجر – بعض الأحاديث المتقدمة وغيرها ، ثم قال ص (111) : (( تنبيه : عَدُّ هذه الستة من الكبائر وقع في كلام بعض الشافعية ، وكأنه أخذ ذلك مما ذكرته من الأحاديث ، (ووجه اتخاذ القبور مسجداً منها واضح)[84] لأنه لعن من فَعَل ذلك بقبور أنبيائه ، وجعل من فعل ذلك بقبور صلحائه شر الخلق عند الله تعالى يوم القيامة ، ففيه تحذير لنا كما في رواية : (( يحذر ما صنعوا )) أي يحذِّر أمَّتَه بقوله لهم ذلك من أن يصنعوا كصنع أولئك ، فليُلعنوا كما لُعنوا ، (واتخاذ القبر مسجداً معناه الصلاة عليه أو إليه ، وحينئذ فقوله ((والصلاة إليها)) مكرر إلا أن يراد باتخاذها مساجد الصلاة عليها فقط ، نعم إنما يتجه هذا الأخذ إن كان القبر قبر معظَّم من نبيّ أو وليّ كما أشارت إليه رواية : ((إذا كان فيهم الرجل الصالح))[85])
ومن ثمَّ قال أصحابنا : تحرم الصلاة إلى قبور الأنبياء والأولياء تبركاً وإعظاماً فاشترطوا شيئين …) الخ انتهى كلام ابن حجر [86].اهـ كلام الألباني.

· أراد الشيخ الألباني أن يضعف حديثاً فيه جواز تحلية النساء بالذهب المحلق وفي سند الحديث (محمد بن عمارة) فزعم أن أبا حاتم قال عنه : (ليس بذاك القوي) انظر كتاب (حياة الألباني وآثاره…) الجزء الأول ص (207) ، والحقيقة أن أبا حاتم الرازي قال كما في (الجرح والتعديل) (8/45) : (صالحُ الحديث ، ليس بذاك القوي) فحذف الألباني كما ترون لفظة (صالح الحديث)!!.

6. الألباني يحكم على حديث بأنه صحيح في موضع ويحكم عليه بأنه منكر جداً في موضع آخر:
أورد الألباني في (مختصر العلو)[87] ص (98) برقم (38) حديث قتادة بن النعمان سمع النبي r يقول : (لما فرغ الله من خلقه استوى على عرشه) فقال : (رواته ثقات ، رواه أبو بكر الخلال في كتاب السنَّة له )اهـ[88]
أقول (أي الشيخ السقاف): لا أدري كيف يصفك المفتونون بك بأنك (محدِّث الديار الشامية) و (حافظ العصر والوقت) و (أنك ما رأيت مثل نفسك) وأنه لو حلف بين الركن والمقام على ذلك لم يحنث [89] … ولو ساق الألباني سند الحديث الذي صححه هنا من كتاب (الخلال) لتبين له أنه موضوع منكر ولما صححه ، وهاك إسناده أخي القارئ لتتحقق نكارته ووهاءه :
قال الخلال : حدثنا أحمد بن الحسين الرقي حدثنا إبراهيم بن المنذر الحزامي حدثنا محمد بن فليح حدثني أبي عن سعيد بن الحارث عن عبيد بن حنين ، قال : بينما أنا جالس في المسجد إذ جاءني قتادة بن النعمان يحدِّث وثاب إليه الناس ، فقال سمعتُ رسول الله r يقول : (إن الله لما فرغ من خلقه استوى على عرشه واستلقى ووضع إحدى رجليه على الأخرى ، وقال إنها لا تصلح لبشر). اهـ.
أقول (أي الشيخ السقاف) ولا يشك عاقل أن هذا كذب على الله ورسوله r ، تعالى الله عن ذلك.
وانظر الحديث في (الأسماء والصفات) للإمام الحافظ البيهقي ص (355-356) والتعليق عليه ، وقد حكم عليه الحافظ البيهقي بالنكارة ، وعدَّه الحافظ الذهبي في (ميزان الاعتدال)(3/365) من منكرات فليح ، وفليح ضعَّف الألباني حديثه في مواضع لا تحصى من كتبه[90] فكيف يقول عن حديثه في (مختصر العلو) هنا رجاله ثقات ، وصحيح على شرط البخاري؟!!
ويدل تصحيحه للحديث هنا في (مختصر العلو) على شدَّة غفلته وتناقضه لأنه قد حكم على الحديث بأنه منكر جداً في موضع آخر من كتبه وذلك في (سلسلته الضعيفة) (2/177 حديث 775) ونحن نتركه في الموضع الثاني – الضعيفة – يرد على الموضع الأول !
ولا نشك أن هذا الحديث له علاقة وثيقة بعقيدة اليهود الوثنية التي ردَّ الله تعالى عليها في كتابه العزيز حيث قال : {ولقد خلقنا السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من لغوب ، فاصبر على ما يقولون}
وهذا دليل على تساهل الألباني في تخريج الحديث في الكتب المختصة بالعقيدة ، وهذا من غلطه فإن الكتب المختصة بالعقيدة يجب أن تكون فيها الأحاديث الصحيحة الخالية عن المعارض ، أما الضعيفة والمنكرة والمعارضة بالقطعي فمما ينبغي أن تصان عنه .
وقد أورد الشيخ السقاف في الجزء الأول فقط من كتابه عددَ : مائتين وخمسين (250)حديثاً ضعفها الألباني في موضع وصححها أو حسَّنها في موضع آخر ، فلله الأمر من قبل ومن بعد وكيف يغتر الناس بمثل هذا المتناقض[91] .
7. الألباني متناقض في ثنائه على أشخاص في موضع وثلبهم والنيل منهم في موضع آخر:
ومثال ذلك : قوله في مقدمة (صحيح الترغيب والترهيب) ص (36) مثنياً على الشيخ حبيب الرحمن الأعظمي: ((واعلم أنَّ ما شجعني على نشرهما أنني رأيت الكتاب المطبوع تخت عنوان ……وعلَّق عليه العالم الشهير الجليل الشيخ حبيب الرحمن الأعظمي …))اهـ.
وقال أيضاً في نفس الصحيفة : ((ومما زادني رغبة في الإقبال عليه ، أنَّ محققه الفاضل الشيخ حبيب الرحمن الأعظمي قد صرَّح…))اهـ.
وهذا الكلام من الألباني الذي فيه الثناء الكبير على الشيخ المحدث حبيب الرحمن الأعظمي ناقضه في مقدمة آداب زفافه (الطبعة الجديدة) ص (8) حيث قال: (( واستعان الأنصاري بآخر رسالته بأحد أعداء السنَّة وأهل الحديث ودعاة التوحيد المشهورين بذلك ألا وهو الشيخ حبيب الرحمن الأعظمي ... لجبنه وفقدانه الشجاعة العلمية والأدبية… )) اهـ باختصار . فتأملوا
8. الألباني ضعيف في اللغة العربية مثله مثل أي حشوي آخر من أدعياء السلفية:
ولا بدّ هنا أن نذكر أكثر من مثال :
· قال في (صحيحته) (4/88) : ((وجوب الأخذ بيد الظالم))اهـ
وهذا لحن وخطأ ، والصواب أن يقول : (وجوب الأخذ على يد الظالم) لأنَّ الأخذ بيد الظالم لغةً هو مساعدته في ظلمه ، وقد اغتر الشيخ! بورود هذه الكلمة في بعض طرق الحديث الذي غلط فيه أحد رواته!
· قال في (صحيحته) (2/254) في حديث : ( ثلاثة لا يقبل منهم صلاة : ورجل صلى على جنازة ولم تويز) وعلَّق في الحاشية على لفظة (تويز) فقال : (كذا الأصل المصوَّر ، ولم يتبين ليَ الصواب )اهـ .
قلت (أي الشيخ السقاف) : (تويز) لا معنى لها في اللغة العربية ولا دخل لها في هذا الحديث ، والصواب والأصل هو (يؤمر) فتكون الجملة : (ورجل صلى على جنازة ولم يؤمر ) فلم يستطع قراءتها مع أنها مرَّت عليه في الترغيب والترهيب (ص 195 رقم الحديث 484 صحيح الترغيب!) ، ولكنه كثير الغفلة !!

9. أمثلة من أوهام الشيخ الألباني وأخطائه الكبيرة في فن الحديث :
· قال في (صحيحته) (1/812 في آخر سطر ) عن حديث هناك : (قلت : وهذا إسناد صحيح رجاله كلهم ثقات رجال مسلم) اهـ
أقول (أي الشيخ السقاف) كذا قال ! وفي السند سهل بن عثمان البجلي وليس هو من رجال مسلم بل لم نعثر له على ترجمة ! فكيف يقول : إسناد صحيح ؟!)
أقول (القحطاني) : وهذا دليل على تخليطه أيضاً فما من شكٍّ أنه قد خلط هنا بين البجلي هذا وسهل بن عثمان الكندي الذي هو من رجال مسلم فتأمل !
· قال في صحيحته (1/175 السطر الخامس من أسفل) : (فإن ابن زيد هو محمد بن زيد بن عبدالله بن عمر بن الخطاب وهو ثقة ..) اهـ
قلت (الشيخ السقاف) : كذا قال ! وليس كذلك ، فإن ابن زيد هذا هو عبدالرحمن بن زيد وهو ضعيف جداً !
· قال في صحيحته (3/399) في السطر الأول : (وابن عرزب مجهول) اهـ
قلت (الشيخ السقاف) : كلا ، بل هو ثقة كما قال الحافظ في التقريب برقم (2917) فتأمل.
· قال في صحيحته (3/191): - عن حديث هناك - : ( ورجاله ثقات رجال الستَّة غير عباد بن سالم فلم أجد له ترجمة )اهـ.
أقول (الشيخ السقاف) : كذا قال ! وعباد مترجم له في تاريخ البخاري (6/38) والجرح والتعديل (6/80) وثقات ابن حبان (7/159) فليستيقظ!
· قال الألباني في صحيحته (2/99-100) في حديث (نعم سحور المؤمن التمر) أخرجه ابن حبان والبيهقي .. ثم قال ص (100) : (تنبيه : عزى الحديث المنذري في الترغيب 2/94 وتبعه عليه الخطيب التبريزي في المشكاة (1998) إلى أبي داود ، وذلك وهم لا أدري من أين جاءهما!) اهـ
قلت (الشيخ السقاف) : كذا قال ! وهذا وهم وقع فيه لا أدري كيف نطق به ، وذلك لأن الحديث ثابت في سنن أبي داود برقم (2345) فإلى الله المشتكى ممن يتعالم على الحفاظ!!

10. الألباني جاهل بعلم الجرح والتعديل :
يقول العلامة المحدِّث محمود سعيد ممدوح في مقدمة كتابه (النقد الصحيح لما اعترض عليه من حديث المصابيح):
· عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي :
قال الألباني (1/214) وعمرو هذا في عداد المجهولين وإن صحح له الترمذي .اهـ.
قلت (الشيخ محمود) : هذا تطاول غير مقبول على أحد أئمة الحديث الذي قال له البخاري : استفدنا منك أكثر مما استفدت منا .
أقول (القحطاني): وممن وثقه وصحح حديثه الإمام الترمذي وابن حبان وابن خزيمة والذهبي فانظر بالله عليك وتأمل في الألباني الذي يجهل العمالقة ويتعالم !!
· عبيدالله بن أبي بردة :
(قال الألباني (1/87) : لم يوثقه أحد حتى ولا ابن حبان ، فلا تغتر بقول المنذري : ورجاله ثقات .اهـ.)
قلت (أي الشيخ محمود): قال الحافظ في التهذيب (7/94) : أخرجه الضياء في المختارة ، ومقتضاه أن يكون عبيدالله عنده ثقة .اهـ. فالرجل ثقة ، والحافظ المنذري أصاب في قوله : (رجاله ثقات) ، والله أعلم.
· جُرَيّ بن كُليب النَّهدي الكوفي :
قال الألباني (1/97): لم يرو عنه غير أبي إسحق السبيعي . اهـ.
قلت (الشيخ محمود): بل روى عنه غيره ؛ قال الحافظ في التهذيب (2/78) : روى عنه أيضاً يونس بن أبي إسحاق ، وعاصم بن أبي النَّجُود وحديثهما عنه في مسند أحمد . اهـ. والذي أوقع الألباني فيما تراه هو اعتماده على كتاب واحد هو الميزان فانظره (1/397).
وفي معرض ردِّ العلامة المحدِّث سعيد بن مبروك القنوبي في كتابه النَّيِّر (الإمام الربيع مكانته ومسنده ص 28–105) على قول من قال بأن الشيخ الألباني يجهل الإمام الربيع فيكون بذلك الإمام الربيع نكرة ، فما كان من الشيخ سعيد إلا أن ذكر – وعلى عجالة - خمسين مثالاً تدل على جهل الألباني بفن الحديث (...جهلاً يكاد يكون مركَّباً في بعض الأحيان ، ولا أدل على ذلك من جهله بكثير من الرواة منهم مَن هو من رجال الشيخين ، وعدم معرفته بوجود كثير من الأحاديث ؛ كثير منها أحاديث الصحيحين اللذين اختصرهما بنفسه بحسب زعمه ، وكثير منها من كتب أخرى مشهورة متداولة...) وإليك بعض الأمثلة مما ذكر :
· قال في ضعيفته (4/200) : ( وسليمان بن شرحبيل …ولم أجد في هذه الطبقة من اسمه سليمان بن شرحبيل أو شراحيل ) كذا قال ، وسليمان هذا اسمه بالكامل : سليمان بن عبدالرحمن بن عيسى بن ميمون ابن بنت شرحبيل ، ويختصرونه أحياناً إلى ما رأيت ، وهو مترجم في : (رجال البخاري للكلاباذي 1/314) و (التاريخ الكبير 4/24) و(الجرح والتعديل لابن أبي حاتم 4/29) و ( علل الحديث ... وقد ذكر الشيخ القنوبي بعد ذلك عشرين مرجعاً في علم الحديث غير التي ذكرنا ترجمت لهذا الرجل )
وهو من رجال البخاري الأربعة !

· عبدالأعلى بن عبدالله بن أبي فروة

قال في ضعيفته 1/213 : (وهو مجهول لم أجد له ترجمة) كذا قال ، وليس الأمر كما قال ؛ وذلك لأن عبدالأعلى هذا مترجم له في كتب كثيرة جداً منها : (التاريخ الكبير للبخاري 6/71) و (تاريخ ابن معين) و (الجرح والتعديل لابن أبي حاتم 6/27) …. ثم ذكر الشيخ القنوبي عشرة مراجع ترجمت له وقد قال الحافظ في (تقريب التقريب ص331) فيه : ثقة فقيه ، وقد وثقه ابن معين ويعقوب بن أبي سفيان والدارقطني
· سعيد بن أشوع
قال في إرواء الغليل 3/121 (لم أجد له ترجمة ) مع أنه ترجم له في الكثير من الكتب منها : (رجال البخاري) و (رجال مسلم) و (التاريخ الكبير) و (تاريخ ابن معين) وقد ذكر ستة عشر مرجعاً آخر له فيها ترجمة .

· امرأة ابن عمر
قال في صحيحته التالفة (4/269) : (ورجال إسناده ثقات كلهم غير امرأة ابن عمر فلم أعرفها) اهـ.
وامرأة ابن عمر هذه معروفة مشهورة ، واسمها صفية بنت أبي عبيد الثقفية روى لها الإمام مسلم والإمام البخاري[92] في التعاليق ، وهاك بعض الكتب التي ترجمت لها (وذكر الشيخ هنا ثلاثة عشر كتاباً لها فيها ترجمة!)

هذا هو الألباني محدِّث أدعياء السلفية[93] ، وما نقلناه هو غيض من فيض ولو حاولنا نقل مقتطفات مما رصده غير هؤلاء العلماء كالمحدث الشيخ عبدالله الهرري وغيره لما وسعنا المجال وفي هذا كفاية للمحتاط لدينه ليحذر من تصحيح وتضعيف الألباني للأحاديث النبوية الشريفة.
الشيخ عبدالله فيلبي!
الشيخ عبدالله فيلبي
لقد ذكرنا أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب عاد من البصرة وحوله كوكبة من النصارى المستشرقين الإنكليز ، في صورة رقيق اشتراهم الشيخ خلال رحلته ، ولم يكن هؤلاء بطبيعة الحال إلا الجماعة المشرفة على المخطط المعد في وزارة المستعمرات البريطانية لإنشاء إسلام جديد بعد تجربتهم المريرة مع المسلمين في شبه القارة الهندية الذين رفعوا راية الجهاد ضدَّ المستعمر الإنجليزي ، فرأى الإنجليز لزاماً عليهم – وهم أهل المكر والدهاء - إن أرادوا البقاء في العالم الإسلامي أن يصمموا إسلاماً جديداً يفرضونه على المسلمين فرضا ، راية الجهاد فيه خافقة ولكن ليس ضد النصارى بل في رقاب المسلمين! ، فيكون بأس المسلمين بينهم شديد ، فتم داخل وزارة المستعمرات البريطانية تصميم حركة جديدة صورتها صورة الإسلام ، وليكن تطبيقها بالقرب من أقدس أماكن المسلمين ؛ ولكن ما يميز هذه الحركة أن الجهاد هذه المرة مسلَّطٌ على رقاب المسلمين حيث أصبحوا مشركين عبدة قبور وأصنام في الشريعة الوهابية ، لا على رقاب دول الاستعمار ، كما كان حال المسلمين في العالم عموماً ، فاستحمَّ القتل في أهل شبه الجزيرة العربية ، ووصل إلى العراق وبعض بقاع بلاد الشام ، والوقوف أمام أي تحرك لجمع كلمة المسلمين.
لقد اهتم النصارى الإنجليز اهتماماً كبيراً برعاية الحركة الوهابية الناشئة ، كيف لا وفيها بارقة الأمل لا على القضاء على ذروة سنام الإسلام فحسب بل إلى شغل المسلمين بأنفسهم ، فأخذوا يرعونها بواسطة عملائهم ، منذ المستر هامفرد مروراً بشكسبير الذي قتل في معركة الجراب بين الوهابية وآل رشيد ثمَّ جون فيلبي ، وفي مقالنا هذا سنتعرض لهذه الشخصية بشيء من التعريف نتيجة لدورها في القيادة المباشرة للوهابية عسكرياً وسياسياً ردحاً طويلا من الدهر.

من هو فيلبي؟:
هو الكولونيل هاري جون سانت فيلبي ولد في 3 أبريل 1885 في جزيرة سيلان (سريلانكا)[94] ، وانتقل مع أبيه إلى بربطانيا سنة 1891 وأكمل دراسته في جامعة كامبردج سنة 1907 ، ثم درس التاريخ والقانون الهندي ، وتعلم اللغات الفرنسية والألمانية والهندستانية والفارسية والعربية ، وعاد إلى الشرق ضمن أفواج المخابرات البريطانية ، أمثال كتشنر ولورنس ومكماهون ، وكوكس ومس بل وكلايتون ، وغلوب وولسون وغيرهم.
أرسل فيلبي إلى الهند عام 1908ليعمل في المخابرات الإنجليزية هناك ، وترقى عام 1914 ليصبح نائب حاكم (لايلابور) ثم انتقل ليرأس دائرة الصحافة في البنجاب ، ولكن بعد انفجار الحرب العالمية الأولى بدأت بريطانيا تعد العدة لانتزاع ما يمكن انتزاعه من ممتلكات الدولة العثمانية وفي مقدمتها العراق ، فشقت البحرية البريطانية طريقها إلى البصرة في نوفمبر 1914 يترأسها السير برسي كوكس ومن أبرز معاونيه المستر فيلبي الذي عيِّن ضمن الجهاز الإداري الذي يرأسه كوكس.
بعد عام واحد عيِّن فيلبي مساعداً مالياً في البصرة وأنيط به تحرير صحيفة (الأوقات البصْرية) التي تصدرها دائرة المندوب السياسي البريطاني. وقد كان لجولاته في جنوب العراق لجمع المعلومات ولقائه بديكسون في سوق الشيوخ أثر بالغ عليه للولع بالعمل في الصحراء.
بعد احتلال بغداد في 17 مايو 1916 عين فيلبي مساعداً ثانياً للحاكم هناك واشترك مع القسيس ماري الكرملي في إصدار صحيفة (العرب) فكان رئيس تحريرها.

دخول الجزيرة العربية:
بعد مقتل الكابتن شكسبير في معركة الجراب سنة 1915، في مواجهة آل رشيد الذين رأت فيهم بريطانيا ولاءً للسلطة العثمانية ، والذين استطاع الوهابية مشاغلتهم فلم ينجدوا السلطة العثمانية ساعة احتلال القوات البريطانية للبصرة ، توجه زعيم الوهابية في حينه إلى البصرة[95] ليسلحه الإنجليز بقائد آخر جديد يدبِّر له أموره ، ولم يكن هذا القائد إلا المستر فيلبي ، فوصل في بعثة متكاملة لدراسة الوضع الجديد ومعه المال والسلاح للوهابية إلى ميناء العقير بالأحساء بتاريخ 17 أكتوبر 1917 مرتدياً الملابس العربية واتجه إلى الرياض ليستقبله هاملتون الوكيل السياسي البريطاني بالكويت[96] ، ولكنه لم يلبث طويلاً حيث كانت مهمته اختراق ما اقترح لتكوينه كمملكة متكاملة من الجنوب إلى الشمال فعاد إلى بغداد عن طريق الصحراء إلى الحجاز فمصر ومن هناك بالبحر إلى البصرة مخططاً المنطقة المطلة على البحر الأحمر.
بعد أن سلَّم فيلبي مخططه لكوكس في بغداد ما لبث أن عاد إلى نجد يحمل معه المال والسلاح الإضافي والتقى بزعيم الوهابية في صحراء الدهناء .
كانت مهمة فيلبي تتمثل في ثلاثة محاور هي:
المحور الأول: المساهمة في جمع المعلومات للمخابرات البريطانية عن الجزيرة العربية.
المحور الثاني: تربية جيل يستطيع حمل المهمة من بعده يلبس لبوس أهل البلاد.
المحور الثالث: القضاء على نفوذ الدولة العثمانية المتمثل في:
(أ) آل رشيد في الشمال الشرقي.
(ب) الأسرة الهاشمية في الحجاز.
أما بالنسبة للمحورين الأول والثاني فقد قام بهما فيلبي خير قيام الواقع خير متحدث بهما[97] ، وقد أشرف على تربية أكثر من بديل للزعامة الوهابية ، أما بالنسبة للمحور الثالث فبعد وصوله وجد أن القوات الوهابية قد انسحبت إلى بريدة ، وانسحب آل رشيد إلى القصيم ، فكانت الأوامر البريطانية بضرورة سرعة إعادة تحريك القوات الوهابية لاستئناف التحرشات بابن رشيد ، وقد تم الاتفاق مع الوهابية على المباشرة بمهمتهم فور وصول الإمدادات اللازمة ، وقد تعهدت بريطانيا بتقديم الأموال والأسلحة والمشورة العسكرية.[98]
وقد بدأت كميات الأسلحة تصل تباعاً ، وكانت دفعة منها تبلغ خمسة آلاف بندقية ومائة صندوق ذخيرة.
ونشبت أولى المعارك ضد آل رشيد بقيادة جون فيلبي الذي لم يجرؤ على المشاركة الفعلية خوفاً من مصير شبيه بمصير النقيب شكسبير ، بل اكتفى بمراقبتها من شرفة عالية في برج قريب[99].
وخلال هذه الفترة عمد إلى تكتيك جديد وهو استخدام المال وتقديم المغريات كوسيلة لتحريك الحساسيات والعصبيات ، فساعدهم بعض آل رشيد على الاستيلاء على بعض قرى منطقة حائل عاصمة آل رشيد.
وكان هذا من مسهلات معركة (الروضة) حيث احتلت قريتا (بيضاء نثيل) و (الشعبية) وقتل الوهابية المصلين عند الصباح بالمساجد في شهر رمضان على أساس أنهم من المشركين ، كما هتكت الأعراض ونهبت الأموال.
ثمَّ استطاعوا بمعاونة بعض العملاء من الاستيلاء على جبل شمَّر (جبل طيء سابقاً : أجأ وسلمى) وأخذوا يمارسون الإرهاب ضدَّ أهله ، ولا سيما في قرية (عقدة) ، وبعض القرى المجاورة ، حيث قتلوا عدداً من الفلاحين الآمنين[100] ، وهكذا انفتح الطريق أمام الوهابيين إلى حائل وكان للخيانة - كما خطط لها فيلبي - دور كبير في سقوطها ، بعد أن حشد لها الوهابية جيشاً كبيراً ، فسقطت في أيديهم في 29 صفر 1340 / 2 نوفمبر 1922[101].
أما بالنسبة للأشراف في الحجاز : فبعد أن رفض الشريف حسين قبول الاتفاقات التي نعرفها اليوم بين الإنجليز والفرنسيين والصهاينة بخصوص ما أسموه بمنطقة الشرق الأوسط من اتفاقية سايكس بيكو (1916) إلى وعد بلفور (1917) ، على الرغم من محاولات الرشوة والتهديد من البريطانيين ، يقول الدكتور صلاح العقاد ( والحق أن معارضته (الشريف) الوطن القومي اليهودي في فلسطين ، وما ترتب على ذلك من رفض معاهدة فرساي كان أقوى الأسباب التي باعدت بين الشريف حسين والحكومة البريطانية)[102]
ورداً على الشريف هيأ الإنجليز للوهابية الهجوم على الحجاز ، ولم يكتفوا بالمشورة والإمدادات العسكرية هذه المرة ، فهم قد استطاعوا إمدادهم بالتغطية الشرعية عن طريق استصدار الفتاوى لا من أتباع محمد بن عبد الوهاب فقط بل حتى من بعض مستعمرات التاج البريطاني ، وكذلك بتخريب مقومات القوة العسكرية الشريفية ، ولا سيما الطائرات الحربية التي كانت بحوزتها ، والتي استطاع العملاء البريطانيون السريون تعطيلها.
وقد كان فيلبي هو الذي استطاع خداع الشريف فطرح وساطته بينه وبين الوهابية عند زحفهم على الحجاز ، فاستطاع أن يطَّلع على أوضاع الجيش الشريفي ليضع للوهابية الخطط الكفيلة بالقضاء عليه. فبعد أن زار جدة أكد فيلبي لقائد الوهابية أنها ( من الناحية العسكرية عاجزة عن الصمود كما أكد له أن غالبية أهلها يريدون نهاية سريعة ) .
يقول فيلبي ( بعد أن يئسنا من الحسين حركنا جنود الإخوان[103]بقيادة خالد بن لؤي وفيصل الدويش وسلطان بن بجاد لسفك دماء غزيرة في الطائف لتوقع الرعب في قلوب الحجازيين : البادية والحاضرة ، ونوفر بها على بقية المدن الحجازية دماء أخرى إن أمكن الأمر ، وإلا فإن دماء غزيرة لابد من إراقتها لأن الإنجليز قرروا إسقاط حكم الشريف حسين بأي ثمن بعد أن رفض الأمر والطلبات بإعطاء فلسطين لليهود المشردين المساكين ، وبعد أن رفض الحسين ما عرضناه عليه بأن يكتفي بالحجاز وحده ، وأن يغير وجهة نظره في توحيد البلاد العربية كلها تحت حكمه)[104]
ومنذ بداية 1926 أصبح فيلبي المستشار الخاص لزعماء الوهابية فبقي ملازما لهم ردحاً طويلا من الدهر ، وقد أسهم إسهاماً كبيراً في تعميق الروابط بين الوهابية والصهاينة ، حيث قدم حاييم وايزمان الزعيم اليهودي رشوته لقادة الوهابية عن طريق فيليبي ؛ ليعينوهم على إقامة دولة صهيونية في فلسطين[105] ، بل إن فيلبي هذا هو الذي رتَّب اللقاء بين زعيم الوهابية وسمحا إيرلخ مندوب ديفيد بن غوريون سنة 1945 الذي مُنح يومها من الوهابية مبلغ عشرة آلاف جنيه إسترليني كمساعدة للصهيونية العالمية.[106]
النهاية:
بعد طرد الجنود الوهابية من البريمي ، وتوتر العلاقات الوهابية البريطانية[107] مع بداية عصر التدخل الأمريكي ، وفي مايو 1955 أذاع راديو جدّة قرار الملك سعود إخراج فيلبي من السعودية (مع منحه جميع أملاكه وأمواله ، لأنه أخذ يتجه اتجاهات غير ملائمة)[108] ، فخرج الرجل الذي كوَّن وحكم من وراء الستار أكبر مملكة في شبه الجزيرة بعد أكثر من ثلث قرن متجهاً إلى بيروت ، ومن هناك بدأ يهدد بنشر الوثائق السرية لبيع الوهابية لفلسطين ، وله كتب مطبوعة تخص المنطقة منها (أيام عربية) و (أربعون عاماً في جزيرة العرب) و(تاريخ نجد وتاريخ الشيخ محمد بن عبدالوهاب)[109].
بقي أن نذكر أن الشيخ فيلبي هو والد هارولد كيم فيلبي الذي كان دبلوماسياً بريطانياً رفيع المستوى ، ومن كبار ضباط الاستخبارات البريطانية ، ولكنه في نفس الوقت كان عميلاً مزدوجاً للمخابرات الروسية (كي . جي.بي) ، ثمَّ هرب إلى روسيا عام 1936م بعد افتضاح أمره ، وقد ذكر قصته (بيتر رايت) في كتابه الشهير (صائد الجواسيس) ، وهكذا كان الأب جون فيلبي متهماً بازدواجية العمالة للمخابرات الأمريكية (سي.آي.إيه.) ، مع عمله في المخابرات البريطانية.
هذا بإيجاز أما الكثير من أفعاله وأقواله فستجد خبرها في مقالاتنا المختلفة بهذا الكتاب.[110]تـــــــاريخ الوهابية (دراسة جغرافية)الجغرافية الوهابية






التماحك حول حديث (هنالك الزلازل والفتن..)
الرد على الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن
تحذير منطقة آثار ! (مثال لما يفعله الوهابية بالمدينة المنورة)
إحراق المكتبة العربية بمكة المكرمة

التماحك حول حديث (هنالك الزلازل والفتن)

يحاول الوهابية الدفاع عن كعبة أنظارهم نجد ؛ البلاد المعروفة في جزيرة العرب ، فيدَّعون بأنها ليست المقصودة بالحديث الذي عند البخاري وأحمد والترمذي وغيرهم (قَالَ اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي شَامِنَا وَفِي يَمَنِنَا قَالَ قَالُوا وَفِي نَجْدِنَا قَالَ قَالَ اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي شَامِنَا وَفِي يَمَنِنَا قَالَ قَالُوا وَفِي نَجْدِنَا قَالَ قَالَ هُنَاكَ الزَّلَازِلُ وَالْفِتَنُ وَبِهَا يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ)[1] ، وهو دفاع لو أمعنت النظر فيه لما رأيت إلا تكلفاً كبيراً ومشقة بالغة ، وهذا الأسلوب الأعوج مما يوقع الوهابيون أنفسهم فيه في أكثر من موضع وإليك البيان :

1. لفظة نجد إذا أطلقت هكذا في جزيرة العرب لا يجوز أن تحمل عقلاً على غيرها ، فإذا قلت نجد أشرت إلى ما يقابل الحجاز ، أرأيت أن لو قلت لابنك وأنت في بيتك (نادِ أمَّك من الغرفة) أيجوز له عقلاً أن يناديها من بيت الجيران بحجة أن في بيت الجيران غرفة أيضا!.

2. الحديث صريح لا غبار ولا غشاوة عليه في أن المقصود هو نجد أهل الجزيرة لا غيرها حيث قال السائل (((نجدنا))) لا نجد المجوس ، لأن العراق كانت ما تزال في ذلك الوقت ؛ عصر الرسول الكريم r تحت حكم الفرس ، ولم يدخلها الإسلام إلا في عهد عمر t ، فأين المفر من هذا اللفظ الصريح ولماذا المماحكة ؟!

3. ويشيرون إلى أنَّ العراق أولى بهذا اللفظ لأن الجمل وصفين وقتال الخوارج كان بها ، ولو أنعمت وأمعنت النظر لعلمت أنْ لا علي ولا عائشة ولا الزبير ولا معاوية ولا عمرو بن العاص هم من أهل العراق ، وهم قادة الوقعات وأطراف النـزاع في المواقع التي ذكرت فأهل الخلاف هم أهل الجزيرة لا أهل العراق فلا يمكن بحال أن نحملهم مشاكلنا لأننا تقاتلنا على أرضهم! أما الخوارج فناهيك بالقائد الخارجي الكبير نجدة ابن عامر الحنفي وهو من أهل اليمامة فما جريرة أهل العراق أن يتحملوا جرمه وتسلم اليمامة (الرياض اليوم) من شره ومن معه ، ولو نظرت في كتب التاريخ لرأيت أكثر الخوارج هم من قبائل (نجدنا).

4. ويحتجون بأن العراق وقع بها مقتل الحسين بن علي رضي الله عنهما ولعن الله قاتله ، وهذا استدلال من وهت حجته ، فمنذ متى كان للوهابية تعلق بالحسين وجد الحسين الذي ينهون عن زيارة قبره؟! أقول أولاً مقتل الحسين لم يقع بأرض تسمى نجداً حتى يكون للوهابية في ذلك مخلص ، ولكن الآمر بقتله هو يزيد بن معاوية بن أبي سفيان الذي فجر بالمدينة وأهلها من أصحاب رسول الله r ، والذي يتولاه الوهابية اليوم فيقولون على الساحة الإسلامية وغيرها (لنا يزيد ولكم حرقوص[2]) !، ويدَّعون مع ذلك أنهم أتباع أحمد بن حنبل وابن تيمية بينما لو كانوا يقرؤون كتبهم قراءة غير مجزوءة لعلموا أن هؤلاء قد وصموه بما هو فيه من فجور وزيغ فقد قال صالح بن أحمد بن حنبل لأبيه : (إن قوماً يقولون إنهم يحبون يزيد. فقال : يا بني ، وهل يحب يزيد أحد يؤمن بالله واليوم الآخر ؟ فقال صالح : يا أبت فلماذا لا تلعنه ؟ قال : يا بني ومتى رأيت أباك يلعن أحداً)[3] بل إن رواية ابن تيمية هذه قاصرة حيث صرَّح أحمد بلعن يزيد في قوله : ولم لا يُلعن من لعنه الله تعالى في كتابه؟! فقيل له : وأين لعن الله يزيد في كتابه ؟ فقرأ أحمد قوله تعالى : { فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطِّعوا أرحامكم . أولئك الذين لعنهم الله فأصمّهم وأعمى أبصارهم} ثم قال : فهل يكون فساد أعظم من القتل ؟)[4]، وحتى ابن تيمية نصير الأمويين الكبير لم يجد محيصاً عن أن يقول واصفاً يزيد ( ولا كان من المشهورين بالدين والصلاح) وقال واصفاً فعل عسكره بالمدينة (..ثم صار عسكره في المدينة يقتلون وينهبون ، وهذا من العدوان والظلم الذي فعل بأمره) ، فوالله إن الأولى للوهابية بدلاً عن هذه المماحكة أن يدرسوا التاريخ ليمتنع خطباؤهم عن إيذاء الآذان بترضيهم على يزيد الخمر كما صرح بشربه لها العلماء الذين يتمسح بهم الوهابية[5] ، في الوقت الذي يلعنون فيه الصحابة والصالحين من أهل النهروان ، ولكنه الشقاء والعياذ بالله !

5. ومن ناحية أخرى فإن أرض العراق التي يعنيها الوهابية سهل لا نجد وهي من مستوى سطح البحر إلى 200 متر علواً أما نجدنا فترتفع إلى ألف متر فوق سطح البحر !

6. ويزعمون بأن نجد الجزيرة ليست شرق المدينة وهو كلام من ليس له معرفة بالجغرافيا أو من لم يكلف نفسه مطالعة الخارطة ، وأدلهم على الخطوة الأولى بأن يوجهوا الخارطة إلى الشمال ثم ما كان عن أيمانهم فهو شرق ، وسيرون بجلاء أن نجداً هي تماماً ما كان شرق المدينة المنورة وفيها رمال الدهناء العالية! ، وغربها ليس إلا بحر يسمى الأحمر وجنوبها بلاد تسمى مكَّة وشمالها تبوك.

7. ويتهجمون على اليمن لأن الأسود العنسي خرج منها والذي قتلوه خلال أربعة أشهر ، وقياسهم هذا عجيب ، فاليمن قد وردت أحاديث كثيرة في فضلها لا كنجد التي لم يرد فيها إلا التنفير وانتظار الفتن ، ومنها الحديث الذي رواه البخاري وغيره ( عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَمْرٍو أَبِي مَسْعُودٍ قَالَ أَشَارَ رَسُولُ اللَّهِ r بِيَدِهِ نَحْوَ الْيَمَنِ فَقَالَ الْإِيمَانُ يَمَانٍ هَا هُنَا أَلَا إِنَّ الْقَسْوَةَ وَغِلَظَ الْقُلُوبِ فِي الْفَدَّادِينَ (وهم الرعاة أصحاب الإبل !!!) عِنْدَ أُصُولِ أَذْنَابِ الْإِبِلِ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنَا الشَّيْطَانِ فِي رَبِيعَةَ وَمُضَرَ) وقوله وهو عند البخاري وغيره (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ t عَنِ النَّبِيِّ r أَتَاكُمْ أَهْلُ الْيَمَنِ هُمْ أَرَقُّ أَفْئِدَةً وَأَلْيَنُ قُلُوبًا الْإِيمَانُ يَمَانٍ وَالْحِكْمَةُ يَمَانِيَةٌ وَالْفَخْرُ وَالْخُيَلَاءُ فِي أَصْحَابِ الْإِبِلِ وَالسَّكِينَةُ وَالْوَقَارُ فِي أَهْلِ الْغَنَمِ) فأمرها كما ترى لا يقارن مطلقاً بنجد ، التي كانت بدايتها مع ذي الخويصرة ، ولم تنته فتنها بمسيلمة ولا بسجاح! ولا بنجدة بن عامر ، حتى طالعنا ابن عبدالوهاب يسمي رسول الله r بكل قلة أدب بأنه (طارش !) ويستحل هو وأهلها إلى اليوم دماء الموحدين لأنهم أهل شرك في زعمهم ، وما يقولونه اليوم في السادة الأشاعرة والإباضية والزيدية والجعفرية وغيرهم من أهل الإسلام خير دليل على أنهم خوارج العصر.

8. لو طالعت كتب أهل نجد ممن درسوا الحديث الشريف لرأيت أنهم لا يتكلفون ما تكلفه الألباني أو غيره من الدفاع عنها بل يصرح الشيخ سليمان بن عبدالوهاب النجدي شقيق زعيم الوهابية بأن نجداً هي بلاد الزلازل والفتن وينهى أخاه على هذا الأساس من أن يدعو الناس لترك مكة والمدينة والهجرة إليه في نجد ليحلق رؤوسهم[6] ، ولكن لا بد لنبوءة المصطفى من أن تتحقق في خوارج العصر ففي رواية البخاري وغيره ( عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ t عَنِ النَّبِيِّ r قَالَ يَخْرُجُ نَاسٌ مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ وَيَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ ثُمَّ لَا يَعُودُونَ فِيهِ حَتَّى يَعُودَ السَّهْمُ إِلَى فُوقِهِ قِيلَ مَا سِيمَاهُمْ قَالَ سِيمَاهُمُ التَّحْلِيقُ أَوْ قَالَ التَّسْبِيدُ ) ، هذا من ناحية أما من ناجية أخرى فالألباني مخلِّط كبير يكفي أن ما يقارب الألف حديث قد جمعها المهتمون اليوم قد صححها الألباني في موضع وضعَّفها في آخر ، وكفى بأنصاره السابقين شهوداً عليه فالبأس شديد بينه اليوم وبين زهير الشاويش ومحمد مهدي الإسلامبولي وحوارهم بلغ من الإسفاف والشتائم مبلغاً يربأ المسلم بنفسه عن مطالعته.

9. وختاماً ولتزداد معرفة بنجد فإن بها تسعة أعشار الشر كما صرَّح بذلك الصادق المصدوق r حين قال في الحديث الذي رواه أحمد ورجاله ثقات (حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ حَدَّثَنَا سَعِيدٌ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَطَاءٍ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r قَالَ اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي شَامِنَا ويَمَنِنَا مَرَّتَيْنِ فَقَالَ رَجُلٌ وَفِي مَشْرِقِنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ r مِنْ هُنَالِكَ يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ وَلَهَا تِسْعَةُ أَعْشَارِ الشَّرِّ ).

هذا ولو تأمل منصف في جوابي لاقتنع بأن كل نقطة منه كافية بمفردها لتبيان الحق ، ولكنني أحببت أن أسرد الحقيقة فعسى الله أن يلهم من يطالعه الرشاد والأوبة إلى الحق. ودفاع الوهابية – إن كان ولا بد – يجب أن يكون مبنياً على سنة الله الكونية من أن الشرَّ قد يقع فيه خير ، فلا مانع أن يخرج من نجد فلتات من أهل الخير والورع والصلاح ، ولكنها ليست القاعدة.


الرد على الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن
هذا الموضوع نشرته رداً على أحد مناظري من الوهابية فرد على جوابي السابق بقوله : (أرد عليك بما رد به الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن ، رحمه الله ، على العراقي داود بن جرجيس البغدادي .. ثم أتى بنقل عن الشيخ المذكور وفي النهاية كتب لي دعوة لدخول المذهب السلفي مع توقيع ابن عمك فلان ) فقلت له:

قرأت ردَّك المنقول عن الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن على العراقي ابن جرجيس ، فتحسَّرت أن لا تفنِّد أقوالي قولاً قولاً فتبين حقها من باطلها ، فالأسلوب العلمي الإسلامي يحتِّم عليك ذلك في الرد ؛ فتحلل المقال بنقد بناء ؛ فتتبع الحق بغضِّ النظر عمَّن جاءك به ، وترد الباطل ببيانه منصوصاً عليه فتفنده بالحجة الواضحة والبرهان المبين ، لا أن تلجأ إلى نشر ردٍ هو أوهى من بيت العنكبوت على رجل من أهل الكتاب ، فالمسلم الذي سلَّحه الله بأقوى الحجج ؛ أعني كتابه وسنّة نبيه ، يجب أن يكون ظاهر الحجة واضح السبيل ناصع البرهان ، فكيف به إذا كان في مواجهة النصارى واليهود ! ويا للأسف فقد خان التوفيقُ شيخك الذي استنصرت به ، فتخلَّفت به الحجة عن لحاق المقصود ، وذلك لأمور عديدة سأبين أهمها مضطراً ؛ وإلا فإنَّ الجدال العقيم ليس من مذهبي:

1. هروبه من الأحاديث الصحيحة إلى أحاديث ضعيفة لينصر بها رأيه ، وهذا وأيم الحق ليس بسبيل قويم ، خصوصاً إن بلغ الحال إلى لمز المسلمين وغمزهم برميهم تارة بالشرك وتارة بسبِّ أوطانهم كما فعل مع مصر بلاد الأزهر الشريف وقامعة الصليبيين[7] ، والعراق مهبط أفئدة كثير من أصحاب رسول الله r ومنتدى أهل الحديث ومنبت الفكر الإسلامي الثري ، لا لشيء إلا لتسلم نجد الأعراب التي صحَّ الحديث في أن بها تسعة أعشار الشَّر (الحديث رواه أحمد ورجاله ثقات).

2. قبل أن أذهب بعيداً في الرد ، أقول بأن الوهابية يجعلون الإشكال على أنفسهم أعظم عندما يسبُّون العراق لأمرين هما :
أ. أنهم يلزون أنفسهم بالإمام أحمد لزّأً فيدَّعون أنهم أتباعه ، ونحن نسألهم من أي بلد كان أحمد وأين عاش؟ إنه عراقي ولد ومات في بغداد ، فأنتم إذاً يا من تنسبون أنفسكم إلى الحنابلة تدينون لأهل العراق بالفضل .
ب. و يدَّعون بأن محمد بن عبدالوهاب بعدما طرده علماء مكة والمدينة (كما فعل الشيخ الكردي) ذهب إلى العراق ودرس العلم هناك؟ ومع علمنا أنه لم يتتلمذ هناك إلا على رجال المخابرات البريطانية والذين عادوا به من بعد مزفوفاً إلى نجد بحجة أنهم عبيد أتراك اشتراهم ، فإننا سنسايركم إلى (رزِّ الباب) – كما يقال – فنقول والحال هذا فإن لأهل العراق عليكم كبير فضل بإيواء مجدد دعوتكم أولاً ، وبتعليمه ثانياً.
وكما ترون فمبدأكم ومنتهاكم هو من فضل أهل العراق ، وصاحب الفضل لا يسب من كان له عليه فضلا.

3. حاول الشيخ أن يلصق بالعراق أموراً يظنها من المساوئ التي إن أثبتها تساوت العراق بها مع نجد فذكر خروج أهل حروراء ، والجهمية ، والمعتزلة ، والصوفية ، والشيعة بها ؛ بل إنه عندما ذكر الشيعة قال (أفلا يستحي أهل هذه العظائم من عيب أهل الإسلام ولمزهم بوجود مسيلمة في بلادهم)اهـ. وهذا كلام شنيع وماذا بعد الحق إلا الضلال ، وهل يساوى من يتشيَّع لآل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بمن ادَّعى النبوَّة أو ارتدَّ عن الإسلام وقتل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى خشي عمر الفاروق رضوان الله عليه على القرآن من الذهاب بتقتيل أهل نجد لحفَّاظه ؟! ألا ذلك هو الضلال المبين.
باختصار لا أرى مدعاة للدفاع عن العراق ، ففي ما قلته في جوابي السابق كفاية لمن أراد الحق ، ولكننا لا نحكم بخيرية بلد على بلد وقوم على قوم إلا بنص ثابت لا كما يفعل الشيخ حين حكم بأن أهل نجد هم خير من أهل الأمصار في قوله :(ولا يشك عاقل إنهم أفضل من أهل الأمصار ، قبل استيطان الصحابة وأهل العلم والإيمان)اهـ.، أقول بل إننا نقطع بأن أهل نجد ليسوا بأفضل من أهل الأمصار ، فقد حكم الرسول الكريم بأفضلية أقوام كما قال في أهل عمان مواسياً أحد أصحابه الذي ذهب ليدعو حياً من أحياء العرب فرجع مضروباً فقال له r : (لَوْ أَنَّ أَهْلَ عُمَانَ أَتَيْتَ مَا سَبُّوكَ وَلَا ضَرَبُوكَ)[8] ، وبأفضلية أهل اليمن وأن الإيمان يمان وأن الحكمة فيهم[9] ، هذا بينما حكم القرآن الكريم على الأعراب عموماً بالنفاق فقال {الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ(97)} التوبة. ثم استثنى منهم البعض فقط فقال {وَمِنْ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمْ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ(99)} وحكم الرسول الكريم بأن القسوة وغلظ القلوب فيهم فقال ( أَلَا إِنَّ الْقَسْوَةَ وَغِلَظَ الْقُلُوبِ فِي الْفَدَّادِينَ (وهم الرعاة أصحاب الإبل!!) عِنْدَ أُصُولِ أَذْنَابِ الْإِبِلِ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنَا الشَّيْطَانِ فِي رَبِيعَةَ وَمُضَرَ)[10] وقوله (.. وَالْفَخْرُ وَالْخُيَلَاءُ فِي أَصْحَابِ الْإِبِلِ)[11] فكيف يكون لهم بعد ذلك فضل على غيرهم أم أنكم لا تعتمدون القرآن والسنَّة كمصادر للحكم إن لم ينص على ذلك ابن تيمية أو أحد تلاميذه؟!
أقول : ولو كان الأمر بقراءة بعض الأحداث فقط كما فعل الشيخ للزمه أن يخرج مكَّة شرفها الله من قائمة التقديس لأن أهلها آذوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بل وأخرجوه منها مع أنها أحب بلاد الله إليه. كلا يا أخا العرب ليس الأمر كما تزعمون ، ولكننا نتَّبع النَّص فما ورد فيه نص ثابت قاطع في خيريته فضَّلناه ، وما ورد نص ثابت قاطع في أنه بلاد الزلازل والفتن حكمنا عليه بذلك.

4. ذكر الشيخ حديث أبي هريرة في تكريم النبي r لتميم ، ومشاركة طي وهوازن وذهل وشيبان في الفتوح الإسلامية ليبني على ذلك تخليص نجد من قارعة الحديث. أقول هذه القبائل لم تكن محصورة في نجد حتى يصحَّ الاستئناس فكثير من أهل الجزيرة هم من هذه القبائل ، هذا من باب ومن باب آخر فإن المشاركة في الجهاد فرض على القادر فلا مناص لقبيلة بأكملها أن تتخلف عنه وعمر الفاروق حيٌّ يرزق ، وأي قبيلة ترضى لنفسها هوان كهذا بأن تجلس لحلب الإبل والناس في حومات الوغى! والشيخ عموماً قد ناقض نفسه من حيث لا يدري فأهل حروراء الذين تنقَّص بالعراق لأنهم ظهروا فيها - ومنهم صحابة كرام كعبدالله بن وهب الراسبي وشجرة بن أوفى الذي شهد بدراً - كثير منهم من تميم ، فهل هنا هو لهم مادح أم قادح؟! أما نحن فإننا لا ننكر أن في تميم رجال أنعم الله عليهم بالاستقامة ويكفيك أن منهم ذلك العلم الفذَّ عبدالله بن إباض التميمي ، وأضرابه ممن نرجوا أن يشملهم قوله سبحانه{وَمِنْ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} والحكم على الرجال لا يكون زرافات بل وحدانا {وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا(13)} الإسراء. وعلى كل حال لو كانت الأنساب والقبائل تغني عند الله شيئاً لأغنت صناديد قريش ، فلا مجال للتخلص من قارعة حديث نجد بتكريم تميم ، أو جهاد طي وهوازن.

5. قال الشيخ (فأفضل البلاد والقرى في كل وقت وزمان ، أكثرها علما وأعرفها بالسنن النبوية ، وشر البلاد أقلها علماً ، وأكثرها جهلاً وبدعة وشركا ..) وهذا كلام ظاهره فيه الخير ، ولكن المقياس كثيراً ما يحكمه التعصب للمذهب أو ما ساواه حتى يخَّيل لفرقة ما بأنهم أصحاب السنَّة ومخالفيهم أصحاب البدعة والشرك فيستحلوا دماءهم وأموالهم بغير حق ، وهذا الفكر عينه ما ساق ابن عبدالوهاب لأن ينادي الناس بالهجرة من مكة والمدينة إليه في نجد ليحلق رؤوسهم لأن تلك البلاد بلاد بدعة وشرك وبلاده بلاد السنة والاستقامة وعليهم أن يبدءوا طاهرين بشعور لم يقترفوا فيها شركاً! وهذا عينه ما يستمر عليه أفراخهم اليوم فهم لا يترددون أن يطلقوا على المدينة المنورة اليوم اسم (هوليوود)!

6. واستدل الشيخ برواية الطبراني في الكبير (دخل إبليس العراق فقضى فيه حاجته ، ثم دخل الشام فطردوه ، ثم دخل مصر فباض فيها وفرَّخ وبسط عبقريه) وهذه الرواية ضعيفة لا تقوم على ساق متناً ، أما سنداً فيكفيك أنَّ فيها حرملة بن يحيى الذي إن بحثت عنه فستجده منـزلته في (الضعفاء للعقيلي) (1/322 برقم 398) و(الضعفاء والمتروكين) (1/196 برقم 790) قال يحيى : (ذُكرت عنه أشياء سمجة كرهت ذكرها) وقال الرازي (لا يحتج به). فكيف تحتجون أنتم به ؟!، وأنا أترك الباب لأهل الأزهر الشريف ليبينوا للناس عوار الرواية ، ولكن في هذا تنكيس لأعلامكم من حيث لا تعلمون ، فإنَّ ابن تيمية حورب محاربة شديدة في بلاد الشام بل ورموه في سجن القلعة حتى مات ، وأنت ترى أن من أشد الناس اليوم على الوهابية علماء الشام وأهلها ، وإذا ما تابعهم أحد هجروه ، وليس آخر كتب فطاحل علمائهم (السلفية ليست مذهباً إسلامياً) فهذا الحديث قد ينقلب حربة عليكم ، فتمهلوا وانظروا في عاقبة أمركم ولا يغرنَّكم الدرهم والدينار فإن في الدنيا من لا يبيع دينه بذاك!

7. وكذلك استنصر الشيخ بالطبراني مرة أخرى ليجد عنده في الكبير رواية تذكر (عراقنا) وذلك في حديث (هنالك الزلازل والفتن) وهي سقيمة بهذا اللفظ لأن الطبراني انفرد بها وفيها رجل كذَّاب اسمه الحسن ابن علي المعمري ويقال له المعامري ، راجعه في (لسان الميزان) (2/221 برقم 975) ، و (الكامل في ضعفاء الرجال) (2/337 برقم 473) قال جعفر بن الجنيد والرازي (كذاب). وهكذا يبين لكم بأن ما تعلَّقتم به ما هو إلا برق خلَّب وسراب في مهمهة!

8. قال الشيخ (وأصل نجد ما ارتفع من الأرض) وقد ذكر ذلك علماء قبله كابن حجر ، وكما يقال (وفي المعاريض مندوحة عن الكذب) ففي اللغة هذا صحيح ، ولكننا لا ندري إن كان الشيخ يقول هذا ليخلص بأن (نجدنا) التي في الحديث إنما تعني كل مرتفع من الأرض ليشمل بذلك أحداً والصفا والمروة وطور سينين وغيرها من الأماكن الشريفة المرتفعة عن الأرض ؛ وتتساوى مع نجد الأعراب المعروفة بهذا الاسم لا غيره ، وذلك بناء على مقولة : (عليَّ وعلى أعدائي)! وهذا كلام سقيم فالاسم (نجد) إذا أطلق هكذا عند ذكر أسماء بلدان معروفة كالشام واليمن لا يمكن مع من كان له مسيس عقل إلا أن يعني بلدة بعينها فكيف إذا لحقه التعريف بالإضافة في قولهم (نجدنا) !
هذا من باب ومن باب آخر فإني راجعت الخرائط القديمة التي جمعها علماء مصر العظيمة برئاسة الأستاذ العلامة حسين مؤنس في موسوعته (أطلس التاريخ الإسلامي) والخرائط الحديثة أيضاً[12] ، فلم أرَ في الدنيا بلاداً تسمَّى نجداً إلا واحدة ، وإن كنتم تعرفون غير ما يعرفه علماء الجغرافيا فأتحفونا بها يا هداكم الله ودعكم من (قال الداوودي ) فليس هناك من بقعة تسمى بلاد لا يعرفها إلا رجل واحد إلا إن كانت بقعة تحت سريره.

9. ذكرت لي في الختام أن الشيخ ابن عبدالوهاب هضم كتابات ابن تيمية وابن القيِّم فنفخت فيه روح الثورة[13] على الأوضاع الفاسدة وأنه استطاع بعد ذلك (أن يزهق باطل أولئك المردة والمشركين ، وأن يزيِّف شبه علمائهم ودعاة مذاهبهم)اهـ. ، وكذلك نصَّ شيخك في رده على الكتابيِّ مشيراً إلى هذه الدعوة بأن أهل نجد تصدَّوا (للرد على دجاجلة عبَّاد القبور الدعاة إلى تعظيمها مع الله تعالى)اهـ.
ونحن نتعجب لهذه الجرأة في إخراج الناس ببساطة شديدة من حظيرة الإسلام إلى الشرك ، فإخراج مسلم من الإسلام لا يصح إلا ببرهان واضح كوضوح الشمس في رابعة النهار ، وقد قتل ابن عبدالوهاب أقواماً بينهم وبين الشرك فراسخ كما فعل مع الشيخ (عثمان بن حمد بن معمر) فقتله يوم الجمعة وهو قائم في المسجد من غير موجب للقتل يستحل به دمه! وأنت لا أظنك تجهل جزاء من يقتل مؤمناً متعمدا.
ولأن الدعوة الوهابية قامت في نجد وهناك سفكت الدماء الكثيرة فأنتم قد حكمتم على قومكم بأنهم كانوا أهل شرك وأزهقتم باطلهم ، ، أما مكة والمدينة فلا أظن أنكم تقولون جهاراً أن الشرك كان بهما أيضاً ، فيتبين من قولكم أن أهل نجد ارتدوا مرة أخرى عن الإسلام بعد الردة الأولى ، فلماذا تدافعون عنها إن كان هذا حال أهلها؟

10. أشكرك على الدعوة إلى العقيدة السلفية ، وكم أنا أتوق إلى ما هو خير ، ولكن كيف لدعوتكم أن تكون سلفية ومبتدأها الأمس القريب مع ابن تيمية ، وتكون دعوتي غير سلفية مع أنها متواصلة النقل من لسان المصطفى عليه أزكى الصلاة والسلام إلى أصحابه ثم إلى التابعين ومن أتى بعدهم من حملة العلم الذين ما زالوا ظاهرين لا يضرهم من خالفهم إلى يوم القيامة ، ولدينا ذلك النقل المتواتر منصوصاً عليه في كتبنا يأخذه العدل عن سابقه من غير تحريف ولا تزييف؟
إن الإسلام أتى فحرر الإنسان وفكره من أغلال تقليد السالفين ، فجعل عبادة الله غير مقيدة بأحد ، وجعل الأسوة الحسنة في رسول الله r {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا(21)} الأحزاب. فلا يلزم المرء أن يمر عبر صنم يسمَّى هُبل أو رجل يدعى ابن تيمية حتى يكون دينه صحيحاً مستقيما ، بينما أنتم ترون أن الواجب علينا اليوم أن نقلِّد ابن تيمية وشيعته وأن يكونوا هم الأسوة ، وتدعون سبيلكم هذا سلفية!.

أخي: إنَّ أفضل ما يمِّز منهجي عن غيره أنه لا يجعل لنا قدوة إلا رسول الله r ؛ فلم نجعل لنا إماماً نقلده إلا هو ، فلا قدسية لأحد من العلماء لدينا ولا حاجة لتوسيطهم بيننا وبين ربِّنا ، فما لم يوافق الحق من أقوالهم رددناه ، لذا فلا تجد لدينا تعصباً للرجال بل للحق الذي يدعمه النص ، أما منهجك فهو يضع هالة من القداسة على ابن تيمية وشيعته ، وتقولون (بأن لا خير في قرآن ولا سنَّة بغير فهم السلف ) مع أن الخير كل الخير في كتاب الله وسنّة رسوله من غير وساطة أحد ، كل هذا في الوقت الذي تتنقصون فيه بالشيعة الذين يضعون القداسة على أهل بيت رسول الله r الذين ثبت تطهيرهم وأفضليتهم بالقرآن والسنَّة ، ولو كان ابن تيمية وابن القيم معصومَين لكانا نبيَّين ، مع أن الإسفاف بلغ بهما إلى مزالق عظيمة ليس القول بفناء نار جهنم إلا أحدها ؛ أي أن يتحول أهل الشرك والأوثان إلى جنّات النعيم ، فأي شرك هذا الذي تحاربه سلفيتكم ، ولأي فكر تجديدي تدعوني يا هداك الله!

وختاماً لهذا الفصل فإنك ترى أيها القارئ إسفاف الفكر الوهابي ، وعدم قدرته على العطاء بعد أن وضع على عينيه غشاوة التقليد لابن تيمية ونفى كل ما يخالف قوله ، مع أن ابن تيمية وليد الأمس وليس ممن عصمه الله من الخطأ ، حتى وصل بهم الحال إلى تحوير معنى قول رسول الله r عندما عجزوا عن تضعيفه بقصد الانتصار للفرقة والمذهب ، وما هذا إلا ضرب من الكذب المتعمد على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

تحذير. منطقة آثار
ما فتئت بعثات الاستكشاف الغربية منذ أمد بعيد تنقب في بلاد المسلمين عن كل أثر جاهلي لتصنع منه قوى الشرِّ رموزاً تحوم حولها بلاد العرب خاصة ؛ لنمسي ومنا الفرعوني ، ومنا البابلي ، ومنا الأشوري ، وهناك الحضارة السومرية وهنا حضارة مجان وتلك حضارة دلمون ، وأثر هنا يقول أنَّ بعضنا من قوم عاد وأثر هناك يدل على أن بعضنا من قوم ثمود ، والخلاصة أن المراد بنا أن نعود أقواماً متعددة لا يربطها إلا الجاهلية‍ وأَخذُ ربِّك.
وللغرب من يهود ونصارى عذرهم في ما يفعلون فهم العدو وعلينا أن نحذرهم ، ولكن ماذا إذا كان الهجوم علينا من الداخل ؟ ماذا إذا كان الهجوم من قوم يهدمون آثار الإسلام ويعمرون آثار اليهود ؟ نعم إن ذلك كائن على أرض فلسطين بأيدي اليهود ، ولكنه وللأسف واقع أيضاً في أرض الحرمين الشريفين ؛ بل وفي مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم خصوصاً من قِبَل الوهابية! وفي الناس من سيستعظم ما أقول ، فأقول رويداً ، ويأتيك بالأخبار من لم تُزَوِّدِ.
لقد قلنا أن الخطة التي أعدَّها المستر همفر لحفيد شلمان قرقوزي المدعو محمد بن عبد الوهاب القضاء على شعائر الإسلام ، ولكن لاستحالة هدم الكعبة[14] وكذلك المسجد النبوي[15] فقد اعتذر ابن عبدالوهاب عن تنفيذ ذلك ولكنه ما برح هو وأسلافه يمحون آثار الإسلام بأرض الحرمين أثراً بعد أثر بينما هم يعمرون آثار اليهود ! نعم آثار اليهود بل والمنافقين ؛ وإليك الأدلة:

1. المساجد
لقد هدم الوهابية الكثير من المساجد الأثرية الإسلامية وأقاموا مكانها مواقف للسيارات ! ومن هذه المساجد مسجد الشمس ومسجد ثنية الوداع ومسجد الغرس ومسجد الفضيخ ، وكلها مساجد جاءت روايات كثيرة تدل على أن النبي الكريم صلى الله عليه وسلم قد صلى فيها ، فكيف للوهابية أن يتصرف الوهابية فيها بهدمٍ وتخريب؟! ولا يجوز بحال أن تهدم المساجد لتقوم مقامها مواقف للسيارات ، فكيف إذا كانت هذه المواقف غير ضرورية إطلاقا؟ أما الادعاء بأن الناس يعبدونها من دون الله فهذا من الكذب والبهتان على المسلمين والتصرف في آثار الإسلام بغير حق ، ولو كان المسلمون بهذا التطرف لعبدوا الكعبة أو المسجد النبوي أو القبر الشريف لا مساجد أخرى.

2. دار سعد بن خيثمة
وهو أول بيت نزله رسول الله صلى الله عليه وسلم عند مجيئه المدينة المنورة ، وهو جنوب مسجد قباء قرابة عشرين مترا ، وقد بنى الناس على أنقاضه مسجداً يعبدون الله فيه لتبقى تلك الذكرى العبقة حيث أول منـزل نزله الرسول صلى الله عليه وسلم في المدينة ، ولكن يأبى الوهابية أن يتركوا للإسلام الحنيف أثراً ، فبعد أن هدموا العقائد لا بد أن يهدموا الآثار ، فهدم في أكتوبر من عام 1987 وحوِّل موقفاً للسيارات!
3. الآبار
ومن الآبار التي هدِّمت :
أ. بئر أريس[16] ، وهي بئر تقع على ميلين من المدينة[17] ، وهي التي سقط فيها خاتم رسول الله صلى الله عليه وسلم من يد عثمان[18] رضي الله عنه ؛ يقول السمهودي (وهي البئر المعروفة اليوم بقباء من أعذب آبار المدينة)[19] وقد طمسها الوهابية بحجة منع عبادتها من دون الله ! وهل فينا من رأى مسلماً أو كافراً يعبد الآبار؟!ب. وبئر غرس[20] وهي بئر رسول الله صلى الله عليه وسلم[21] تقع شرقي مسجد قبا بنصف ميل. روى ابن سعد في الطبقات الكبرى[22] ( وكان – أي الرسول صلى الله عليه وسلم- يشرب من بئر غرس بقاء وبرك فيها وقال هي عين من عيون الجنة .. عن بن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جالس على شفير بئر غرس رأيت الليلة أني جالس على عين من عيون الجنة يعني هذه البئر .. عن عكرمة عن بن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم بئر غرس من عيون الجنة .. عن عمر بن الحكم قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم نعم البئر بئر غرس هي من عيون الجنة وماؤها أطيب المياه وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستعذب له منها وغُسِّل من بئر غرس[23] .. عن سعيد بن رقيش قال سمعت أنس بن مالك يقول جئنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قباء فانتهى إلى بئر غرس وإنه ليستقي منها على حمار ثم نقوم عامة النهار ما نجد فيها ماء فمضمض رسول الله صلى الله عليه وسلم في الدلو ورده فيها فجاشت بالرواء..)[24] لقد دمَّر الوهابية هذه الآبار بحجة منع الناس من عبادتها ، مع أنها آبار مباركة من عيون الجنة ، فلماذا يهدم الوهابية آثار الإسلام؟!
4. تل الرماة وغار جبل أحد
وهو تل وقف عليه الرماة في غزوة أحد ، وله أهمية بالغة في تاريخ الأمة العسكري ، ولأخذ العبرة والعظة في وجوب الالتزام المطلق بأوامر النبي صلى الله عليه وسلم ، ولكن يأبى الوهابية إلا محو معالم الإسلام فهدموه حتى لم يبق منه إلا جزءا يسيرا. أما غار جبل أحد الجبل الذي يحبنا ونحبه والذي صعد إليه الرسول الكريم بعد أن كسرت رباعيته في معركة أحد وقد بني على هذا الغار وسُد لكي لا يبقى له من أثر.

5. الخندق وسور المدينة المنورة
الخندق معلم حضاري عسكري إسلامي ، فيه عبر ومواعظ ، يمتد من طرف الحرة الشرقية إلى طرف الحرة الغربية من الناحية الشمالية[25] ، حفره رسول الله صلى الله عليه وسلم بيديه الشريفتين مع أصحابه الأطهار رضوان الله عليهم ، ردمه الوهابية وطمسوا معالمه منذ بضع سنوات.
ومن بين الآثار التي هدمها الوهابية[26] سور المدينة المنورة ، وقد دمِّرت أبوابه ومسجد بقربها سنة 1984 وحوِّل مكان المسجد إلى موقف للسيارات[27].

حماية آثار اليهودفي الوقت الذي تخفى فيه آثار الإسلام بالمدينة ، يحمي الوهابية آثار اليهود والمنافقين :
أ‌. فبالنسبة لآثار اليهود فقد وضعت لائحة أمام حصن كعب بن الأشرف رأس اليهود تقول (تحذير. منطقة آثار) أي أن من يمس حصن كعب بن الأشرف يقع تحت طائلة العقوبات الواردة بنظام الآثار بالمرسوم الملكي رقم و/26 الصادر في 12/1392!
ب‌. وبالنسبة لآثار المنافقين فقد كان للشمال الشرقي من مسجد قباء وبالقرب منه[28] مسجد الضرار ، فهدم الوهابية أصل مسجد قباء من حيث المحراب ولم يعد له أي معلم بينما مُدَّ البناء الجديد باتجاه مسجد الضرار ليدخل فيه! وهذا غير جائز شرعاً بعد أن قال الله سبحانه فيه {لا تقم فيه} فهاهم الوهابية يُخرجون الناس من قباء إلى الضرار ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

بأمر من يحدث كل هذا
ختاماً لك أن تسأل : بأمر من يتم هذا التشويه ؟!
هذا الدمار يشرف عليه ذرية محمد بن عبدالوهاب (آل الشيخ) ففي وثيقة رسمية سعودية تحمل رقم 9696/3م بتاريخ 21/4/1396 وقعها الرئيس العام لهيئة الأمر بالمعرف الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن حسن آل الشيخ جاء ما يلي (نزع ملكية البستان الواقع بالمدينة المنورة جنوبي البقيع الذي توجد به النخلتان اللتان يقال أنهما لسلمان الفارسي[29] ، وجعله حديقة عامة ، حيث أن موقعه صالح لهذا الغرض ، وليتحقق بذلك إخفاء معالم النخلتين)! ولتعلم النخل فإنها من فسل رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي بارك الله فيه فآثار النخل باقية تقوم الواحدة على أثر أمها ، فقد جاء عند أحمد بسند صحيح في حديث سلمان الطويل عن محمود بن لبيد وعبد الله بن عباس رضي الله عنهم جميعا: (.. ثُمَّ شَغَلَ سَلْمَانَ الرِّقُّ حَتَّى فَاتَهُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَدْرٌ وَأُحُدٌ قَالَ ثُمَّ قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَاتِبْ يَا سَلْمَانُ فَكَاتَبْتُ صَاحِبِي عَلَى ثَلَاثِ مِائَةِ نَخْلَةٍ أُحْيِيهَا لَهُ بِالْفَقِيرِ وَبِأَرْبَعِينَ أُوقِيَّةً فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَصْحَابِهِ أَعِينُوا أَخَاكُمْ فَأَعَانُونِي بِالنَّخْلِ الرَّجُلُ بِثَلَاثِينَ وَدِيَّةً[30] وَالرَّجُلُ بِعِشْرِينَ وَالرَّجُلُ بِخَمْسَ عَشْرَةَ وَالرَّجُلُ بِعَشْرٍ يَعْنِي الرَّجُلُ بِقَدْرِ مَا عِنْدَهُ حَتَّى اجْتَمَعَتْ لِي ثَلَاثُ مِائَةِ وَدِيَّةٍ فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اذْهَبْ يَا سَلْمَانُ فَفَقِّرْ[31] لَهَا فَإِذَا فَرَغْتَ فَأْتِنِي أَكُونُ أَنَا أَضَعُهَا بِيَدَيَّ فَفَقَّرْتُ لَهَا وَأَعَانَنِي أَصْحَابِي حَتَّى إِذَا فَرَغْتُ مِنْهَا جِئْتُهُ فَأَخْبَرْتُهُ فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعِي إِلَيْهَا فَجَعَلْنَا نُقَرِّبُ لَهُ الْوَدِيَّ وَيَضَعُهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِهِ فَوَالَّذِي نَفْسُ سَلْمَانَ بِيَدِهِ مَا مَاتَتْ مِنْهَا وَدِيَّةٌ وَاحِدَةٌ .. )[32]
وهكذا أخي القاريء يأمر آل الشيخ بحرق نخل زرع أصلها رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وهكذا يؤدي الوهابية دورهم التاريخي الذي لن ينساه الدهر ، ليصبح وجود المسلمين في المدينة[33] حادثاً قريبا ، فلا آثار لهم إلا مباني حديثة ، ومجلات تباع على أرصفة مواقف السيارات الكثيرة! عناوينها : الشبكة والموعد وسيدتي وهي وهو..الخ ، وكي أكون منصفاً فهناك أيضاً محلات لبيع الجينـز والدخان المعسَّل والأمريكي ، بينما حق اليهود ثابت في يثرب[34] ، آثارهم ما تزال عامرة باقية ، فلهم أن يطالبوا بها في أي لحظة ، فهي من الآثار العالمية التي يجب المحافظة عليها بلائحة (تحذير. منطقة آثار).[35]


إحراق المكتبة العربية بمكة المكرمة
محاولات الوهابية مستميتة لتغيير الخريطة الإسلامية وخاصة في مكة والمدينة ، وههنا سنتحدث عمّا فعلوه بمكة المكرمة لإخفاء آثار المسلمين ، والتي سقطت في أيديهم على يد الشيخ جون فيلبي كقائد للفلول الوهابية ، وبعد استسلام الملك علي بن الحسين للبحرية الإنجليزية وانتقاله إلى العراق عبر جدّة.

لقد قتل الكثير من الأبرياء في مكة وأكلوا الجيف والكلاب[36]، وإيماناً من أحفاد شلمان قرقوزي وأتباعه بعدم جدوى هدم الكعبة المشرفة والمسجد الحرام[37] ؛ فقد اتجهوا لأسلوب أمثل وهو تشويه التاريخ عبر الجغرافيا ، فاتجهت أنظارهم لتشويه الملامح ، عبر القضاء على كل أثر إسلامي سوى البيت الحرام في مكة المكرمة فتم تدميره ، وكان لا بد من تم تصفية الجانب الفكري فهو أهم جوانب حياة الأمة ؛ فاتجهوا لأهم مركز إسلامي لحفظ الوثائق ، ومكتبة من أنفس مكتبات الأرض قاطبة وهي المكتبة العربية في مكة المكرمة فتم إحراقها !!
ما الذي تحويه المكتبة ؟
لقد كانت هذه المنارة أكثر وأكبر من مكتبة بالمعنى الحرفي ؛ إذ كانت تحوي ستين ألفاً (60,000) من الكتب النادرة ، وحوالي أربعين ألف (40,000) مخطوطة ، بعضها مما أملاه النبي r ، وبعضها كتبه الخلفاء الراشدون وسائر الصحابة ، ومنها ما هو مكتوب على جلود الغزلان والعظام والألواح الخشبية والرقم الفخارية والطينية ، كما كانت المكتبة تشكل في جانب منها متحفاً يحتوي على مجموعة من آثار ما قبل الإسلام وبعده.[38]
لقد ذهب كل هذا أدراج الرياح ، فأخبرني من فعل مثل هذا عبر التاريخ الإسلامي[39] ؟

بذهاب هذه المكتبة ذهبت كثير من المخطوطات النادرة ، والآثار الإسلامية التي لم ير المسلمون مكاناً أئمن لحفظها من مكة المكرمة فنقلوها إليها من كل حدب وصقع ، فما كان من الجيش الذي لا يجيد حتى القراءة إلا أن ألقمها النار!
إن هذا التصرف الدنيء ليبرهن على مدى عداء هؤلاء للإسلام ، ومحاولتهم اليائسة لطمس معالمه ، وهو تصرف ما يزال الوهابية يمارسونه بأشكال مختلفة ، فهم يحرقون كتب المسلمين التي ترد إلى بلادهم ، ولا تناسب أهواءهم ، ومن أراد أن يرى طرفاً من ذلك فعليه بملاحظة فرقهم المتخصصة في مصادرة كتب المسلمين في المطارات أثناء قدومهم لأداء فريضة الحج ، ومن ذلك تزويرهم لكتب المسلمين حيث يقدمون على أمهات الكتب الإسلامية فيعيدون طباعتها ، فيحذفون منها ويزيدون ، بل ويتجرءون على أئمة المذاهب الأربعة فيحرفون كلامهم ليتناسب وعقيدتهم عقيدة التجسيم ، وقد فضحهم علماء الأمة فبيَّنوا سرقاتهم وتحريفهم ، ومن أراد الإطلاع على شيء من ذلك فعليه بمطالعة مؤلفات العلامة حسن بن علي السقَّاف ، ومن حوادثهم الأخيرة - التي نقلها إلينا من يوثق خبره - أن عمِدَ أحدهم إلى مُغافلة أمين مكتبة إحدى أعرق الجامعات الأردنية عام 1417هـ ، فتخلَّف في المكتبة طول الليل يُقطِّع أوراق الكتب التي لا تتناسب مع أهوائهم الوهابية ، حتى إذا أصبح عليه الصباح اختلط بزوار المكتبة ، وخرج مخلفاً آثاره السيئة بالمكتبة ، وهذا من المضحكات المبكيات فتضحك لسخافة عقول هؤلاء وكأنهم لا يدركون أن نسخاً أخرى كثيرة من تلك الكتب لا تستطيع أن تدركها أيديهم العابثة ، وتبكي في الوقت ذاته لوجود أمثال هؤلاء السخفاء ينهشون في جسد الأمة بل في قلبها ، فإنا لله وإنا إليه راجعون.




[1]وقد روى مسلم في هذا الباب أيضاً الكثير من الأحاديث حيث أشار النبي صلى اللهعليه وسلم إلى أرض بعينها قائلا (وَهُوَ مُسْتَقْبِلُ الْمَشْرِقِ هَا إِنَّالْفِتْنَةَ هَاهُنَا هَا إِنَّ الْفِتْنَةَ هَاهُنَا هَا إِنَّ الْفِتْنَةَهَاهُنَا مِنْ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ)



[2]حرقوص هو ابن زهير السعدي صحابي كريم ، وقائد قوات عمر بن الخطاب لفتح الأهوازالتي استعصت على غيرها فاختاره لها ففتحها الله على يديه رضي الله عنهم أجمعين.



[3]ابن تيمية : مجموع الفتاوى 5/410



[4]ابن الجوزي ، الرد على المتعصب العنيد ، 16 . والشبراوي ، الإتحاف بحب الأشراف ،63-64.



[5]كابن كثير في البداية 8/232



[6]وقد أثبت ذلك شعراً العلامة المنعمي (وهو من الأشراف) ، وذلك لما قتل ابنعبدالوهاب جماعة أبوا حلق رؤوسهم فقال الشيخ قصيدة عصماء منها :


أفي حلق رأسي بالسكاكين والحدّحديث صحيح بالأسانيد عن جدي



[7]قد يكفي المصريين أن حتى فنانيهم يقاطعون التطبيع مع إسرائيل ! فكيف حال علمائهمبخلاف علمائكم ، ألم تسمع إلى شيخ الأزهر محمد سيد طنطاوي في خطبة الجمعة يوم 29شعبان 1419هـ يقول عن الاعتداء الأمريكي البريطاني الأخير على العراق والمتواطئينمعهم بتسخير أراضيهم لهم ، خلال العملية المسماة (ثعلب الصحراء) فقال وهو يمثلالأزهر الشريف : (إن سماح أي دولة عربية لانطلاق المعتدي من أراضيها هو حرام)فهل لدى علمائك النجديين أدعياء السلفية مثل هذه الشجاعة يا من تتهجم على مصركاسية الكعبة يوم كنتم لا تملكون درهماً ولا دينارا ؟!



[8]رواه مسلم وأحمد



[9]كما رواه البخاري وغيره



[10]من رواية البخاري وقد رواه آخرون غيره.



[11]رواه البخاري وغيره



[12]كأطلس إنكارتا 99



[13]النفخ لا أشك فيه مطلقاً ‍



[14]تراجع مذكرات همفر ، لأن العالم الإسلامي سينقلب عليهم ؛ كما فعل محمد علي باشافقضى على الوهابية حقبة من الدهر.



[15]بحجة تطهيره من بدعة دخول قبر النبي صلى الله عليه وسلم فيه ، وما تزال الزعاماتالوهابية ترى أن الأولى إخراج قبر النبي من المسجد.



[16]يراجع السمهودي ، وفاء الوفا ، ص 942-949



[17]ابن حبان ، الثقات ، 2/294



[18]روى الحادثة البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن سعد في الطبقات.



[19]السمهودي ، وفاء الوفا ، ص 984 ، وقد أورد ما يقارب السبع صفحات في كتابه لذكرهاوفضلها.



[20]يراجع السمهودي ، وفاء الوفا ، ص 978-981



[21]رواه ابن ماجة وابن حبان وابن سعد وغيرهم



[22]1/502 نقلته باختصار وإلا فإن ابن سعد قد سرد كل الآبار المعروفة المباركة التيكان يستقي منها رسول الله صلى الله عليه وسلم.



[23]وله شاهد عند ابن ماجة في كتاب ما جاء في الجنائز ، وكذلك ابن سعد في رواية أخرى.



[24]يراجع كذلك ابن حبان ، الثقات ، 5/50 برقم 3804 في رواية عن أنس بن مالك رضيالله عنه.



[25]هو بذلك يزيد طولاً على الكيلو مترين



[26]هذا السور لم يكن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولكنه بني من بعد وهو على كلحال أثر من آثار المسلمين ، تحدثنا عنه لأن الحال التي عليها القوم هي طمس معالمالمدينة الإسلامية في الوقت الذي يحمون فيه آثار اليهود.



[27]كان المسجد قرب باب المصري مع سوق الحبَّابة سابقاً وهو ضمن موقف السيارات الذيبني فوق المسجد ، وجريمة المسجد أن من بناه سماه مسجد فاطمة فاستحق بذلك الهدم فيالشرعة الوهابية!



[28]يقول ابن النجار (وهذا المسجد قريب من مسجد قباء).



[29]الشيخ ممن يترضى على يزيد بن معاوية وهو هنا لا يترضى على سلمان الفارسي رضي اللهعنه.



[30]أي الشتلة



[31]أي احفر



[32]وروى الخبر ابن عبد البر والطبراني برجال الصحيح



[33]والذي فعلوه في مكة لا يقل بشاعة عما فعلوه بالمدينة وإنما هي مثال.



[34]ينقل همفر ذلك حرفيا في مذكراته في الفصل السابع ص 76 حين تعرض لإفشاء وثيقةبريطانية سرية بعد انتهاء مفعولها (50 سنة بحكم القانون البريطاني خفضت إلى 30سنة عام 1967) وتحديداً في البند الرابع الذي يقول (4. إعطاء قطع من البلادالإسلامية بيد غير المسلمين فأولاً يثرب لليهود..) وهاهم اليهود يرمقون مكة منالقرن الإفريقي من أرتيريا تحديداً حيث تقبع طائراتهم وراداراتهم لا يفصلها عنالمدينة إلا معبر ضيِّق هو بحر القلزم (الأحمر) على علم الوهابية وسمعهم من غيرإنكار ولا استنكار ، وأنى لهم ذلك وهم مشغولون بالأهم وهو تفريق وحدة المسلمين!



[35]للتوسع يراجع عمر عبد القادر المغربي ، الآثار النبوية التي هدّمها الحكم السعوديفي المدينة المنورة.



[36]راجع موضوع احتلال مكة.



[37]فالقرامطة حاولوا ذلك من قبل وعاد الحجر الأسود إلى موضعه بعد حين ، ولكن الجديدأن تم الإستيلاء على إمامة الحرمين لتصدير أفكارهم المشبوهة عبر أكثر من سبيل ،ونجحوا في ذلك أيما نجاح في صفوف العامة بعد خصوصاً بعد طمس جانب كبير من الحقيقة.



[38]د. محمد عوض الخطيب ، صفحات من تأريخ الجزيرة العربية الحديث ، دار المعراجللطباعة والنشر ، ص 189، وناصر السعيد ، تاريخ آل سعود ، ص 180


[39]اتهام للمغول بفعل مثل هذا لم يثبت تاريخياً ؛ وإن كان الناس يأخذونه كأحدالمسلمات ، تراجع مجلة العربي مارس 1999 ص 128-130 مقال بعنوان (هل أتلف المغولحقاً مكتبة بغداد بقلم عبدالمنعم الأعسم ، وبذا يتفرد الوهابية بإحراق الكتب فيالتاريخ الإسلامي!

Monday, January 1, 2007

بدايات

التاريخ الوهابي

استباحة الطائف وقتل العلماء والأطفال
أهل مكة يأكلون الجيف والكلاب
مجازر الوهابية لحجاج بيت الله الحرام
استباحة دماء المسلمين في المساجد
الهجوم على الكويت
الوهابية السفاحون
يقول الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء (لو كنا نعلم أنهم يقتنعون بالحجة البالغة ، ويخضعون للأدلة القاطعة ، لملأنا الطوامير من الحجج الباهرة التي تترك الحق أضحى من ذُكاء ، وأجلى من صفحة السماء ، ولكن سلطان نجد له حجتان قاطعتان عليهما يعتمد وإليهما يستند ولا فائدة إلا بمقابلتهما أو أقوى منهما ، وهما الحسام البتار والدرهم والدينار ، السيف والسنان ، والأحمر الرنان ، هذا لقوم وذاك لآخرين)(1)
إن التاريخ الوهابي ببساطة تاريخ دامٍ ، يستحل دماء المسلمين لغير سبب شرعي ، فالوهابية (يقتلون أهل الإسلام ، ويتركون أهل الأوثان)
و(يسيئون الأعمال) وإليك الأمثلة:
(1) مجلة تراثنا ، العدد الرابع (13) السنة الثالثة ، شوال 1408هـ ، ص 186

استباحة الطائف وقتل العلماء والأطفالهاجم الوهابية الطائف ليحرروها من الشرك !! وكانت تحت حكم الشريف غالب حاكم مكة ، وكان بينه وبين الوهابية المواثيق ، ولكنهم غدروا فتمكنوا من الاستيلاء على الطائف ، إذ دخلوها عنوة في ذي القعدة 1217هـ/1802م فقتلوا الناس بدون تمييز بين رجل وامرأة وطفل ؛ حتى أنهم كانوا يذبحون الرضيع على صدر أمه[1] ، كما قتلوا من وجدوا في المساجد والبيوت ولاحقوا الفارين من المدينة فقتلوا أكثرهم ، وأعطوا الأمان للبعض فلما استسلموا ضربوا أعناق فريق منهم ، وأخرجوا فريقاً إلى أحد الأودية ، واسمه وادي الوج ، فتركوهم مكشوفي العورة ومعهم النساء.[2]
وأخذت الأعراب تروح وتغدو إلى الطائف فتحمل المنهوبات الهائلة التي كانت تخمَّس ، ويرسل خمسها إلى الأمير ويقتسمون ما بقى . كما عبثوا بالمصاحف والكتب الدينية ورموها بعد أن مزقوها ورموها في الأزقة . وعمدوا أخيراً إلى حفر بيوت المدينة حتى المراحيض بحثاً عن المال الذي قيل لهم أنه خبئ في الأرض![3]
ويروي ناصر السعيد أن هؤلاء الأعراب بعد أن قتلوا وذبحوا الرجال والنساء والأطفال والصلحاء عمدوا إلى قطع أيدي النساء لانتزاع الحلي منها ، كما كانوا يتوضأون بدماء الآدميين بعد صبه في الماء.

ويذكر الجبرتي في كتابه (تاريخ عجائب الآثار في التراجم والأخبار) أنهم ( حاربوا الطائف وحاربهم أهلها ثلاثة أيام حتى غلبوا فأخذ البلدة الوهابيون ، واستولوا عليها عنوة ، وقتلوا الرجال وأسروا النساء والأطفال ، وهذا رأيهم مع من يحاربهم )[4]
وقد قتل خلال هذه المجزرة الشيخ عبدالله الزواوي مفتي الشافعية بمكة المكرمة ، والشيخ عبدالله أبو الخير قاضي مكة ، والشيخ جعفر الشيبي وغيرهم ذبحوهم بعد أن أمَّنوهم عند أبواب بيوتهم[5].
فكيف يمكن للمسلم أن ينسى دماء الموحدين هذه وأموالهم ، ووالله إن ما فعله بنا اليهود بأيديهم ليس بأفظع من ذلك ، فعلى أقل تقدير فإن اليهود لم يسوقوا نساءنا سبايا !
إنه من مسلسل التآمر النصراني اليهودي على بلاد الإسلام ، ينفذه تلميذهم محمد بن عبد الوهاب وأتباعه من الأعراب الذين ليس لهم دين ، نعم لقد كان القادة النصارى واليهود يسيرونهم كيف ما أرادوا للقضاء على الكيان الإسلامي ، وقد ذكر ذلك مفصلاً أستاذهم الأول المستر همفر في مذكراته ، وقائد قوات الوهابية جون فيلبي[6] في كتابه (أربعون عاماً في الجزيرة العربية ) قائلاً ( بعد أن يئسنا من الحسين حركنا جنود الإخوان[7] بقيادة خالد بن لؤي وفيصل الدويش وسلطان بن بجاد لسفك دماء غزيرة في الطائف لتوقع الرعب في قلوب كافة الحجازيين : البادية والحاضرة ، ونوفر بها على بقية المدن الحجازية دماء أخرى إن أمكن الأمر ، وإلا فإن دماء غزيرة لابدَّ من إراقتها لأن الإنجليز قرروا إسقاط الشريف حسين بأي ثمن بعد أن رفض الأمر والطلبات بإعطاء فلسطين لليهود المشردين المساكين ، وبعد أن رفض الحسين ما عرضناه عليه بأن يكتفي بالحجاز وحده وأن يغير وجهة نظره في توحيد البلاد العربية كلها تحت حكمه)[8]
وفعلاً فقد سقطت مكة المكرمة بعد ذلك ، وأحرقوا بها (المكتبة العربية) ذات النفائس ، وقد ذكرنا طرفاً من أمرهم معها في هذا الكتاب.

احتلال مكة المكرمةأهل مكة يأكلون الجيف والكلاب
بعد إرعاب أهل الحجاز بقتل النساء والأطفال خلال احتلال الوهابية للطائف عام 1217 هـ / 1802 م ، لم يصبروا عن التلذذ بقتل الناس شيوخاً ونساءً وأطفالا[9] ، فبدأ هجومهم على مكة المكرمة مباشرة فدخلوها سنة 1218هـ/1803م كما ذكر ذلك عبدالله بن الشريف حسين في (صدق الخبر في خوارج القرن الثاني عشر) ، أما مؤرخ الوهابية عثمان ابن بشر الحنبلي النجدي فيذكر ذلك في أحداث سنة 1220هـ .
ومن أحداث تلك الفترة المشئومة في محرم 1220هـ / 1805م أن الوهابية راحوا يقتلون الحاج ويأسرون من يمر بهم ، واشتدَّ الغلاء في مكة بشكل فاحش لم تشهده من قبل حتى باع أهل مكة أثاثهم وحلي نسائهم بعشر القيمة ؛ ليشتروا أقوات أطفالهم بأضعاف أثمانها . ومات الكثير من أهل مكة جوعا وانتشرت جثث الأطفال في الأزقة ، بل وكما يذكر مؤرخ الوهابية عثمان النجدي (أن لحوم الحمير والجيف بيعت فيها بأغلى الأثمان ، وأكلت الكلاب ، وأخذ الناس يهجرونها نتيجة الخطر الجاثم على أطرافها ، فلم يبق فيها إلا النادر من الناس.)[10]
فما الذي أباح الحرم الآمن الذي لم يحله الله إلا لرسوله ساعة من نهار ، وقد خطب رسول الله r قائلا (إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ حَبَسَ عَنْ مَكَّةَ الْفِيلَ وَسَلَّطَ عَلَيْهَا رَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ أَلَا وَإِنَّهَا لَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي وَلَنْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ بَعْدِي أَلَا وَإِنَّهَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ أَلَا وَإِنَّهَا سَاعَتِي هَذِهِ حَرَامٌ لَا يُخْبَطُ شَوْكُهَا وَلَا يُعْضَدُ شَجَرُهَا وَلَا يَلْتَقِطُ سَاقِطَتَهَا إِلَّا مُنْشِدٌ وَمَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ إِمَّا أَنْ يُعْطَى يَعْنِي الدِّيَةَ وَإِمَّا أَنْ يُقَادَ أَهْلُ الْقَتِيلِ)[11]. أقول ما الذي أباحه لهؤلاء الأوباش المتعطشين للدماء الذين لا يراعون ذمة ولا حرمة ، حتى انتشرت جثث أطفال المسلمين من أهل مكة في الطرقات ، وأكل أهل البيت العتيق لحوم الجيف والحمير والكلاب كما يروي الوهابية أنفسهم مفتخرين لا عافاهم الله ؟
ومن شنيع أفعال الوهابية خلال غاراتهم على مكة والمشاعر العظام أن توجه اثنان من قادتهم وهما (عثمان المضايفي – والذي أصبح أمير الطائف بعد الاستيلاء عليها - وابن شكبان ) إلى عرفة فقتلا من لم يطعهما وأسرا الكثير من الناس ، ثمَّ انتقلا إلى وادي مرّ ينهبون ويقتلون الواردين إلى مكة المكرمة مما أدى إلى امتناع أهل الحجاز عن الحج ، وأحرق المحمل المصري رمز اجتماع الحجيج ، ولقد رفض أمير الحج الشامي شروط الوهابية وعاد إلى بلاده ومن معه.[12]
كل هذا دفع بالشريف غالب إلى الموافقة على الصلح مع الوهابيين ، والسماح لهم بالدخول إلى مكة ، التي بقي حكمها له على أن يحضر الصلاة والسلام على الرسول الكريم بعد الأذان لأنها بدعة ! ، وأن يوافقهم على ما يريدون.
ولقد كان لدخول الجيوش المصرية الجزيرة العربية للقضاء على الوهابية سنة 1226 هـ / 1811 م ، والتي بقيت حتى عام 1234 هـ / 1818 م ، أثراً كبيراً في تأديب الوهابية ، وإضعاف سيطرتهم على الحرمين الشريفين ، ولكن ما لبثت القبضة المصرية أن تراخت ، لتقوم قائمة الوهابية ثانية.
وكان من نتيجة استيلائهم على مكة المكرمة ومنطقتها أن انفلت حبل الأمن فانتشر السلب والنهب ، واضطربت السبل ، ولم يستطيعوا ضبط الوضع بوضع حد لهذا الفلتان ، وما لبث الوهابية أن زهدوا في مكة بعد أن عاثوا فيها فسادا ؛ فتركوها عندما سمعوا أن العجم غزو عاصمتهم الدرعية كما يروي الجبرتي ، فعاد إليها الشريف غالب ، وحاول استعادة الطائف ولكنه فشل بعد أن استطاع حماية جدَّة من هجماتهم الشرسة.[13]
لقد تم احتلال مكة المكرمة احتلالا فعلياً فيما الملك علي بن الملك حسين في جدّة يحاصره الوهابيون من جهة البر بينما يضيِّق عليه الإنكليز من جهة البحر إلى أن قبل بالصلح والاستسلام للإنكليز سنة 1924م فانتقل إلى العراق.
وقد خطبهم خطبة فتح مكة الشيخ فيلبي !! ، الذي يسميه الوهابية الشيخ عبدالله ، وقد أذَّن وصلى بالناس في الحرم إماما ، وعندما احتج بعض شيوخ البادية على ذلك قال قائد الوهابية (يا إخوان المسلمين ... لولا هذا الرجل الذي اسمه الشيخ عبدالله فيلبي ما دخلتم مكة المكرمة .. وهذا هو مندوب الإنكليز هل تريدون أن أغضبه وأرضيكم!)[14]
وللعلم فإن احتلال أهل نجد لمكة المكرمة لا يعني أبداً تبعية أهل الحجاز للوهابية النجديين ؛ حيث لا يزال الوهابية يسمون أهل الحجاز بالصوفية ولا يقدمون للإمامة في الحرمين إلا وهابياً !! وهذا دأبهم مع كل المسلمين لأنهم لا يوافقونهم على ضلالهم فينتحلون لهم الألقاب فبعضنا خوارج والبعض صوفية والبعض الآخر رافضة والعصمة لأهل نجد الذين يشير إليهم علماء الحجاز باسم النجديين والقرنيين نسبة إلى قرن الشيطان.
منع الحجاج من الوصول إلى بيت الله الحراملقد ذكر المستر هامفر في مذكراته أنه طلب من محمد بن عبد الوهاب هدم الكعبة المشرفة ، ولكنه اعتذر إليه أنَّ ذلك غير ممكن لأن الدولة العثمانية ستواجهه بكل ثقلها لاستئصال حركته ، وستكون نتائج ذلك عكسية عليهم وعلى مشروعهم ، فصرفوا النظر عن المشروع ، ولكن الوهابية لم يألوا جهداً عن صدِّ عباد الله عن بيت الله الحرام ما وجدوا إلى ذلك سبيلا ، وإليكم الأمثلة العملية على ذلك من تاريخهم المشين:
يذكر مؤرخ الوهابية عثمان بن بشر الحنبلي في كتابه (عنوان المجد في تاريخ نجد) من أحداث 1221 هـ الحادثة التالية ص 139:
(فلما خرج سعود من الدرعية قاصداً مكة أرسل فرَّاج بن شرعان العتيبي ، ورجالا معه … وذكر لهم أن يمنعوا الحواج التي تأتي من جهة الشام واسطنبول ونواحيهما ، فلما أقبل على المدينة الحاج الشامي ومن تبعه ، وأميره عبدالله العظم باشا الشام فأرسل إليه هؤلاء الأمراء أن لا يقدم وأن يرجع إلى أوطانه[15])
ويقول مفتخراً (ولم يحج في هذه السنة أحد من أهل الشام ومصر والعراق والمغرب (أي بلاد المغرب العربي كله) وغيرهم إلا شرذمة قليلة من أهل المغرب لا اسم لهم)[16]
مجازر الوهابية للحجيج :
لم يقتصر نشاط الوهابية الحربي على أبناء قبائل الجزيرة العربية وجوارها بل طال أبناء الإسلام من قاصدي بيت الله الحرام أيضا في عديد من ا لمناسبات .
وقد مرت بنا لمحات من اعتداء اتهم على من كانوا يجدونهم في جوار مكة المكرمة والمدينة المنورة من الحجيج وغيرهم كما مر بنا تسببهم بمنع الحاج سنوات عدة من هذه الجهة أو تلك ، كما مرت عليكم أخبار شروطهم وتحكمهم بمراسم أداء هذه الفريضة فرأينا قصة المحمل المصري والمحمل الشامي وغيرها .
فلقد جعل الوهابيون الديار المقدسة رهينة في أيديهم وراحوا يتحكمون بحركة الوفود إليها عن طريق فرض المكوس من جهة وعن طريق استخدامها لأغراضهم السياسية من جهة أخرى . ففي سنة 1959م منع الحاج السوري من الوصول إلى مكة المكرمة، كما أرجعت كسوة الكعبة المشرفة المرسلة من مصر ومنع الحجاج المصريون ما لم يدفعوا المكوس بالعملة الصعبة ، علما بأن فرض الرسوم على عبادة الله محرم شرعا ، كما منعوا الحاج اليمني بعد انقلاب السَّلال . إلا أن الأمر لم يتوقف عند هذا الحد ، بل تعداه إلى قتل الحجيج العزل المقصود بشكل وحشي في غير مناسبة ، وقد حفظ الإسلام للوهابيين على هذا الصعيد ارتكابهم مجزرتين مروعتين : الأولى ضد الحاج اليماني سنة 1341هـ / 1921م والثانية ضد الحاج الإيراني سنة 1408 هـ/ 1988م
مجزرة الحاج اليماني :
في سنة 1341هـ/ 1921م انقض الوهابيون على الحاج اليماني المتوجه إلى مكة فقتلوهم غدرا وغيلة دون أي سبب ، فقد صدف أن التقت سرية من الوهابيين بحوالي ألف من أبناء اليمن القادمين لأداء فريضة الحج ، وكانوا بطبيعة الحال عزلا من السلاح ، فسايرهم الجنود الوهابية بعد أن أعطوهم الأمان ، فلما وصل الفريقان إلى وادي (تنومة) والوهابيون في الجهة العليا بينما اليمنيون في الجهة الدنيا ، انقض المسلحون على الحجاج بأسلحتهم فأبادوهم فلم ينج منهم إلا اثنان .
وقد حاول الوهابيون وبعض الأقلام المرتبطة بهم أن يبرروا هذه الفعلة عن طريق الادعاء بأن الجند الوهابي ظن أن مجموعة الحجاج مجموعة مسلحة من أهل الحجاز فاشتبكوا معها ، وهو عذر أقبح من ذنب ، فمتى كان اغتيال المسلمين وقتلهم بالظن جائزا؟! ولكن الوقائع كذبت هذا الزعم بعدما ثبت أن الوهابية لم يقتلوا هؤلاء الوافدين إلى بيت الله الحرام إلا بعد أن ساروا بمحاذاتهم مسافة معينة وتأكدوا من أنهم لم يكونوا يحملون أي سلاح .[17]
مجزرة الحجاج الإيرانيين :
ارتكبت هذه المجزرة المروعة سنة 1408هـ/ 1986م كما أشرنا فراح ضحيتها 329 شهيدا ما بين رجل وامرأة ، عدا الجرحى ، فقد كان الإيرانيون يقومون بمسيرة البراءة من المشركين في صفوف منظمة ويطلقون الهتافات ضد أعداء المسلمين من شرقيين وغربيين ويدعون المسلمين للوحدة في مواجهة هؤلاء الأعداء قائلين : " الموت لأمريكا ، الموت لروسيا ، الموت لإسرائيل ، أيها المسلمون اتحدوا" . " ولما انتهت المسيرة واتجهت الجموع صوب الحرم للزيارة والطواف ، إذا بالقوات الوهابية تحاصرهم بإطلاق النار الغزير من الرشاشات والبنادق دون تمييز ، فكان هذا الهجوم عدوانا سافرا دون أي مبرر اللهم إلا الانتقام لأعداء المسلمين والإصرار على منع التعرض لهم ولو بالكلام.
استيلاؤهم على إمامة البيت العتيقلقد كان على مر العصور الإسلامية مهما بلغ المسلمون من ضعف أو تفرق ، لا يوجد مذهب يستولي على إمامة البيت الحرام دون غيره من المذاهب الإسلامية ، ففطاحل علماء المسلمين من كل مذهب يؤمون الناس ويعظونهم ، واليوم لا يسمح لعالم مسلم مهما بلغ من العلم والتقوى أن ينبس ببنت شفة خطيباً أو إماماً في بيت الله الحرام أو في مسجد الرسول الكريم إن لم يكن من أولياء الوهابية ، ولقد طرد الشيخ علي جابر من إمامة الحرم لأنه خالف سدنة هذا المذهب فرفض أن يقنت في صلواته ليدعو لقوات التحالف بالنصر على أهل العراق ، وهذا منتهى الطغيان والغرور ، فبيت الله الحرام حقٌ مشاع لكافة المسلمين فالبادي والحاضر فيه سواء ، وليس حكراً لمذهب دون سواه ، فكيف إذا كان هذا المذهب هو المذهب الوهابي[18]؟!سؤالهل يوجد بعد كل هذا من يشك في صدق طلب المستر همفر من محمد بن عبد الوهاب هدم البيت الحرام ؟! نعم إنه لم يهدمه ليقينه أن في ذلك نهاية له هو وأن للبيت رباً يحميه ، ولكن أتباعه ههنا ينفذون الخطة الأهم وهي منع عباد الله من حج بيت الله الحرام[19] ، ونحمد الله أنهم لم يوفقوا في ذلك.
ألا ما أفضع موقف هؤلاء يوم القيامة ؟!
استباحة دماء المسلمين في المساجديستغرب البعض مما وقع في حرم الله الآمن بمكة المكرمة من تقتيل للحجاج الأبرياء حتى أنه لم يسلم حتى الشيوخ والنساء ؛ لا لسبب إلا أنهم نددوا باليهود والنصارى أيام الحج الأكبر اتباعاً للهدي النبوي حيث قُرأت سورة براءة على الملأ.
إنَّ هذا الاستغراب مردُّه الجهلٌ بالعقيدة الوهابية وتاريخها ، فالمنظِّر لهذا المذهب محمد بن عبد الوهاب كان لا يتردد بلمز الناس بالشرك ليستحل بذلك دماء مخالفيه ، حتى وصل به الحال إلى لمز سيدنا آدم عليه السلام وأمنا حواء عليها السلام بالشرك في كتابه (التوحيد) ، وقد مارس ذلك وبكل وقاحة ضدَّ المسلمين في جزيرة العرب لسفك دمائهم واستباحة أعراضهم ونهب أموالهم ، وسنضرب على ذلك بمثال مما دوَّنه الوهابية أنفسهم ، فقد جاء في الصفحة (97) من كتاب أصدرته الجهات الرسمية بالمملكة العربية السعودية بعنوان (تاريخ نجد) نقله حسين بن غنام عن رسائل محمد بن عبد الوهاب وأشرف على طباعته عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ[20].
يقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب : ( إن عثمان بن معمَّر[21] - حاكم بلد عيينة - مشركٌ كافر ، فلما تحقق المسلمون من ذلك تعاهدوا على قتله بعد انتهائه من صلاة الجمعة ، وقتلناه وهو في مصلاه بالمسجد في رجب 1163 هـ .) وقد فعلوا ذلك من قبل مع (دهّام بن دوَّاس) حاكم الرياض بقرية العارض حيث أرسلوا إليه من اغتاله.
هكذا يقتلون المسلمين في المساجد بعد الانتهاء من صلاة الجمعة [22]، وكيف يكون حاكم العيينة هذا مشركا كافراً وهو المقتول غيلةً في مصلاه بالمسجد يوم الجمعة ؟! إن الجاهل من المسلمين يعلم أن المتهم بالردة عن الإسلام لا يقتل غيلة بل يستتاب ، وكيف يصح أن يكون كافراً من قتل في مصلاه بالمسجد ، اللهم العن أهل الفكر الدموي فهم قد أباحوا دماء عبادك الموحدين[23].
وفوق هذا فإنَّ محمد بن عبد الوهاب يوضح أنَّ جميع أهل نجد من دون استثناء هم :
(كفرة تباح دماؤهم ونساؤهم وممتلكاتهم ، والمسلم هو من آمن بالسنة التي يسير عليها محمد بن عبد الوهاب ، ومحمد بن سعود) راجع الصفحات من 98 إلى 101 من نفس الكتاب[24] ، وهذا مما يؤيد وجهة النظر القائلة بأن محمد بن عبد الوهاب ليس نجدياً بل يهودياً تركياً ، فالإنسان بطبعه محب لأهله ووطنه ، فإن كان هذا مجددا فأينه من التأسي برسول الله r القائل في الذين قاتلوه (اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون)؟.
نعم والتاريخ يشهد إلى يوم القيامة أن محمد بن عبد الوهاب وحزبه دَمَّروا بلدة العيينة المكتظة بالسكان عن بكرة أبيها ؛ لأنهم ثاروا على الحاكم الذي عينه الوهابية ، فأضحت البلدة منذ ذلك اليوم إلى يومنا هذا قاعاً صفصفاً ، بل ومنع بناؤها منذ ذلك اليوم[25] ، ولقد قال محمد بن عبد الوهاب قولاً لا يرتضيه عاقل عندما علَّل إفناء بلدة العيينة بقوله ( إنَّ الله سبحانه وتعالى قد صبَّ غضبه على العيينة وأهلها ، وأفناهم تطهيراً لذنوبهم ، وغضباً على ما قاله حاكم العيينة : عثمان بن معمَّر ، فقد قيل لحاكم العيينة بأن الجراد آتٍ إلى بلادنا ، ونحن نخشى أن يأكل الجراد زراعتنا ، فأجاب حاكم العيينة قائلاً ساخراً من الجراد : سنُخرج على الجراد دجاجنا فتأكله ، وبهذا غضب الله سبحانه لسخرية الحاكم بالجراد آية من آيات الله لا يجوز السخرية منها ... ولهذا أرسل الله الجراد على بلدة العيينة فأكلها عن آخرها)[26] هكذا يستخف محمد بن عبد الوهاب بعقول الناس السذَّج ، فلو يؤاخذ الله الناس بذنوبهم ما ترك عليها من دابة ، هذا لو قطعنا جدلا أن مقولة حاكم العيينة في الجراد ذنبٌ ، وهل هذا من الشرك الذي يستحق عليه حاكم العيينة القتل في المسجد ؟! ، ومتى كان الجراد يأكل الجدران والرجال ويأخذ ما تبقى رقيقاً ، ويهدم الآبار ، ويعتدي على النساء ويبقر بطون الحوامل منهن ويأخذ البقية ليفسق بهنَّ!.
فكيف نستغرب الآن أن يأتي اللاحق ابن باز ليفتي بجواز قتل العراقيين وإن كانوا في الصلاة ؟!
إننا ننادي كلَّ مخدوع لمسارعة البراءة من هؤلاء ذوي الأيدي الملوثة بدماء المسلمين فموالاتهم إعانة لهم ، ورسول الله r يقول (من شرك في دم حرام بشطر كلمة جاء يوم القيامة مكتوب بين عينيه آيس من رحمة الله)[27].

الهجوم على الكويت[28]قاتل الوهابية أبناء الجزيرة العربية وما حولها بدافع السلب والنهب زاعمين بأن المسلمين مشركون تحل دماؤهم وأموالهم ، وقد أعادوا الجزيرة إلى أيام الجاهلية الأولى حيث كان العرب يتطاحنون لأتفه الأسباب ، ويأكل القوي الضعيف ، ومن الأقطار التي هجموا عليها الكويت ، فوجهوا إليها الغارات تنهب وتقتل وتسلب وتسبي ، وكانت الحملة الأولى سنة 1205 هـ / 1790 م ، ثم تلتها حملة أخرى سنة 1213هـ / 1798 م ، وثالثة سنة 1223 هـ / 1808 م ووصلوا في هذه الأخيرة إلى الجهراء.
وحين تمرد العتوب[29] في الكويت والبحرين فرفضوا دفع الجزية هاجمهم الوهابيون مرة أخرى وأوقعوا بهم خسائر جسيمة.
وقد أعطى الإنجليز أثناء صراعهم مع الأتراك ، الضوء الأخضر للوهابية لمهاجمة الأراضي الكويتية سنة 1337 هـ / 1919 م ، فوقعت معركة (الحمض) فقتلوا ونهبوا .
وأعادوا الكرة سنة 1338 هـ/1920م فكانت معركة (الجهراء) وكاد الشيخ سالم الصباح أن يقع في الأسر لولا أن أنجده ابن طوالة بقوة من قبائل شمَّر والعجمان.
وبموت سالم الصباح سنة 1921 م وجَّه النصارى الإنجليز الخوارجَ عن الدين الوهابية للتوقف عن تقتيل الكويتين لزوال الداعي إلى ذلك بعد أن صفا الجو للنصارى ، فتوقفت الهجمات الوحشية عن الكويت .
لقد تميز الوهابية بنكث العهود والمواثيق وسوء معاملة المستجيرين ، وسنذكر مثالاً على ذلك والأسى يعتصر أنفسنا شفقة بذكرى جدّ الأخ محمد السهلي[30]، ويدعى تبال السهلي حيث استجار بابن هندي المعروف واصطحبه حتى دخلا خيمة قائد الوهابية فما أن رآه الأخير حتى انقضّ عليه وضرب عنقه .

الوهابية السفاحون(وإذا بطشتم بطشتم جبارين)
لقد ذكرنا في مقال سابق ما فعله الوهابية في أهل الطائف ومكة والكويت ، وفي هذا المقال سنذكر مناطق أخرى من بلاد المسلمين نالها عسف الوهابية وبغيهم ، من ساعة نشأة هذه الحركة الخبيثة ، وقد قتل في هذه الغارات الكثير من المسلمين ونهبت أموالهم بغير حق ، بل وأبيدت قبائل بأكملها ومواقفهم مع العجمان والخوالد[31] وآل رشيد خزي لهم وعار إلى يوم القيامة. إن فتكهم بالمسلمين ما هو إلا نتيجة للعقيدة الزائغة التي يعتنقونها برمي أهل ملة التوحيد بالشرك الأكبر ليستحلوا بذلك دماءهم وأموالهم ونساءهم ، ومن أراد أن يتتبع أحكامهم على المسلمين ، وكيف أخرجوهم من الملة والدين ، واعتقدوا فيهم أنهم مشركون ، فليرجع إلى كتاب ( مجموعة الرسائل والمسائل النجدية )[32] ، وكذلك كتاب (عنوان المجد في تاريخ نجد ) الذي ألفه أحد علماء الوهابية وهو عثمان بن بشر النجدي الحنبلي ، ونشرته مكتبة الرياض الحديثة بالمملكة العربية السعودية ، فإنه سيجد في ذلك العجب العجاب وسيرى من تعسف هؤلاء الحشوية ومعاملتهم للمسلمين معاملة الكافرين الصرحاء ما تشيب منه الولدان ، علماً أن هذه الحملات من بدايتها كانت تنطلق بمباركة محمد بن عبد الوهاب شخصياً ، حيث يقول صاحب عنوان المجد في ترجمة شيخه ( كان رحمه الله هو الذي يجهز الجيوش ، ويبعث السرايا ، ويكاتب أهل البلدان ويكاتبونه ، والوفود إليه والضيوف عنده ، والداخل والخارج من عنده ، فلم يزل مجاهداً حتى أذعن أهل نجد وتابعوا )[33] وإليكم أمثلة بسيطة من جهادهم !! وإلا فإن كتبهم تطفح بتاريخهم المشين بما لو سردناه لأعدنا طباعة كتبهم ليس إلا:
الحجاز:
المدينة المنورة بلاد رسول الله r:
اقتداء بيزيد بن معاوية صاحب وقعة الحرة الذي استباح المدينة المنوَّرة ثلاثة أيام يقتل وينهب فقد قام الوهابية بغزوها[34] ، وسننقل ههنا بالنص من كتابهم التاريخي الذي يحتفون به في كل محفل : (عنوان المجد في تاريخ نجد) (... أجمعوا على حرب المدينة ونزلوا عواليها ، ثمَّ أمر عبد العزيز ببناء قصر فيها فبنوه وأحكموه ، واستوطنوه ، وتبعهم أهل قباء ومن حولهم وضيَّقوا على أهل المدينة ، وقطعوا عليهم السوابل ، وأقاموا على ذلك سنين ... ولما طال الحصار على أهل المدينة وقعت المكاتبات بينهم وبين سعود من حسن قلعي وأحمد الطيار والأعيان والقضاة وبايعوا في هذه السنة).[35]
وهكذا سقطت المدينة المنورة مستسلمة بعد أن مات أهلها جوعا ، ويالها من دناءة في محاربة بلاد حرمها رسول الله r.
تربة وحزبة:
وهما قريتان بالحجاز انقض عليهما جنود الوهابية في أواخر شعبان 1337هـ /1919م فقتلوا ونهبوا واعتدوا على الأعراض وأحرقوا النخيل ، وقد أحصي من قتل في تربة وحدها فبلغوا ثلاثة آلاف من المدنيين العزَّل ، وقد كان ذلك بعد سحقهم للجيش الشريفي بقيادة عبدالله بن الحسين ، وكانت الفاجعة بقيادة أشقى القوم ويدعى فيصل الدويش.[36]
بلاد الشام:
لقد فعل الوهابية العجب ببلاد الشام ، فما أن وطئت أقدامهم تلك الأراضي الخصيبة حتى عاثوا فيها فساداً من سرقة ونهب وقتل وحرق وإرعاب للمؤمنين كما يتحدث بذلك مؤرخهم الثقة لديهم عثمان بن بشر النجدي ، ومن ذلك ما أرخ له سنة 1225هـ[37] مما فعلوه عند جبل (طويل الثلج) قرب نابلس ، ثم يقول من بعد (..واجتاز – يعني الجيش الوهابي – بالقرى التي حول المزيريب وبصرى فنهبت الجموع ما وجدوا فيها من المتاع والطعام وأشعلوا فيها النيران ، وكان أهلها قد هربوا عنها لما سمعوا بمسيره !) ويقول: (وقتلوا من أهل الشام عدة قتلى ، وحصل في الشام رجفة عظيمة ورعب عظيم بهذه الغزوة في دمشق وغيرها من بلدانه وجميع بواديه) فهذا الاعتراف من ألسنتهم يتفاخرون به قاتلهم الله ، وانظر كيف يتعاملون مع الناس ، فوالله لو كان أهل الشام مجوساً لما جاز لهم أن يفعلوا بهم ما فعلوا ولكنه الدين الوهابي الجديد !
حوران:
هاجم الوهابية حوران سنة 1225هـ /1810م فأحرقوا ونهبوا وسبوا بعد أن قتلوا حتى الأطفال ناهيك عن الكبار ، وهدموا البيوت ، وعاثوا فيها فسادا ، وقدرت قيمة الخسائر – غير البشرية طبعاً – بتلك المنطقة بثلاثة ملايين درهم حينذاك.[38]
حلب:
ثمَّ توسعت الغزوات الوهابية حتى بلغت مدينة حلب وقطعوا الطريق بين الشام والعراق ، وكانت سراياهم تصل إلى القادسية ، وقد قتلوا خلقاً كثيراً خلال غاراتهم تلك ، وسبحان الله الذي ابتلى الأمة بشرهم الذي لم يقتصر على أرض الجزيرة ، وما شرهم اليوم بتقطيع أوصالها بتكفير المسلمين بأرحم من ذلك.[39]
الأردن:
في سنة1925 كان الإنكليز هم المخططين للهجوم الوهابي على شرقي الأردن حيث أغاروا على أم العمد وجوارها وقتلوا 250 شخصاً ونهبوا وأسروا[40] ، واسمع إلى فيلبي أستاذ الوهابية الكبير حين يقول: "كنت بالأردن قبل مجيء جلوب إليها . وكان عبد الله بن الحسين صعب المراس نسبيا بعد أن أخرجناه وعائلته من الحجاز وجئنا بصديقنا عبد العزيز ، ونفينا والده (الشريف حسين ) وإخوته . وقد أثرت هذه العوامل على نفسيته إلا أنه كان معزولا ولم يزل يعتبر نفسه أعلى مني ومن عبد العزيز طبقة ووظيفة ومقاما وأنه لا يزال أميرا وحاكما . . . ولما رأيت منه مثل هذه البوادر أردت أن يكون ترويضه على يدي ، فأمرت عبد العزيز بإرسال مجموعة من "الإخوان " البدو من ناحية قريات الملح لمطاردة عبد الله ابن الحسين وقتله . كما طلبنا من ابن عدوان أن يثور من داخل الأردن على عبد الله بن الحسين . . . فقتلوا بأسلحتهم الحديثة بضة آلاف من قبائل البلقاء وقبائل الحويطات وبني صخر ومن بينهم العديد من الأطفال والنساء ، وما علمت بعد ذلك إلا وعبد الله بن الحسين يربط حقائبه استعدادا للهرب من الأردن ، ولما سألته أين وجهته قال : سأذهب إلى جهنم ، أبعدوني إلى المنفى مع والدي ما دمتم لا تريدون حمايتي.
فقلت لعبدالله : لقد عارضتني عندما قلت لك أن لا تساعد الثوار اللاجئين الحجازيين ضد (قادة الوهابية ) وعارضتني حينما قلت لك إن لليهود كل الحق في أن يحكموا فلسطين… )[41]
وهكذا قتل الوهابية الكثير من الأبرياء المسلمين من أهل الأردن خدمة لعيني الشيخ فيلبي وقومه النصارى ، وخدمة لليهود كي يحكموا فلسطين!.
هذيل الشام واللفاع:
وقد غزا الوهابية هذيل الشام بقيادة عثمان المضايفي في حوالى سنة 1214هـ /1799م فقتلوا وسبوا النساء ، ثمَّ غزوا اللفاع حيث يقيم أشراف بني عمرو فقتلوا منهم عدداً ، ونهبوهم وسلبوا النساء حتى أنهم جردوهن من الثياب ، فطلبوا الأمان وتوهبوا.[42]
بوادي شمَّر وما جاورها:
وفيها (أي سنة 1206 هـ)كانت غزوة الشقرة وذلك أن سعوداً سار بالجيوش الكثيفة من جميع نجد الحاضرة والبادية ، وقصد ناحية جبل شمر ، وقد ذكر له قبائل كثيرة من البوادي من مطير وحرب وغيرهم ، وهم على الماء المعروف بالشقرة قريب من جبل شمر ، فعدا عليهم سعود وأخذهم جملة وحاز منهم أموالاً عظيمة ، الإبل أكثر من ثمانية آلاف بعير ، وأخذ جميع أغنامهم ومحلتهم وأمتعتهم ، وأكثر من عشرين فرساً ، قتل عليهم عدة رجال ، ثم رحل سعود بجميع تلك الغنائم وأخرج خمسها !! وقسم باقيها غنيمة في المسلمين للراجل سهم وللفارس سهمان.[43]
ومن القبائل التي قتلت في تلك المنطقة أيضاً عربان الظفير وآل بعيج وآل زقاريط.[44]
فمتى كان هؤلاء كفاراً تحلُّ دماؤهم وأموالهم ، وما هو حال قاتلهم عند الله؟
العراق :
لقد عاث الوهابية في العراق فساداً وفرضوا الجزية عليها سنينا وأخذوا من بغداد ما لا يعد ولا يحصى ، حتى وصلوا إلى مناطق الأكراد في الشمال وطلبوا من أهلها أموالاً كثيرة. كما ينص على كل ذلك مؤرخ الوهابية عثمان بن بشر مطولاً في تاريخه[45]
نوازل وبادية السماوة:
وفيها (أي سنة 1220 هـ) سار سعود بالجيوش المنصورة ، والخيل والجياد المسومة المشهورة من جميع نجد ونواحيها وبواديها ، وقصد جهة الشمال نوازل بلد المشهد المعروف في العراق ، وفرق عليه المسلمين من كلِّ جهة ، وأمرهم أن يتسوروا الجدار على أهله !!... ثم رحل منه سعود فانحاز على الزملات من عربان غزية فأخذ مواشيهم ثمَّ ورد الهندية المعروفة ، ثم اجتاز بحلل الخزاعل ، وجرى بينه وبينهم مناوشة قتال وطرد خيل ، ثم سار وقصد السماوة وحاصر أهلها ونهب من نواحيها ودمَّر أشجارها ، ووقع بينهم رمي وقتال ، ثم رحل منها وقصد إلى جهة البصرة ونازل أهل الزبير ووقع بينه وبين أهله مناوشة قتال ورمى ، ورحل منه إلى وطنه.[46]
وقد سبق للوهابية سنة 1213هـ/1798م أن غزوا (سوق الشيوخ) و(الأبيض) في بادية السماوة من أرض العراق فقتلوا خلقاً كثيراً وسبوا وسلبوا[47].
مجزرة كربلاء :
حشد الوهابية جيشا من أعراب نجد قدر بعشرين ألفا وتوجه إلى العراق حيث حاصر مدينة كربلاء واقتحمها ، فقتل فيها قتلا ذريعا لم ينج منه حتى الأطفال ونهبت خزائن[48] من الذهب والجواهر النفيسة[49] وهدم قبر الحسين (عليه السلام ) وسرق الشباك الموضوع عليه ، كما أنهم ربطوا خيلهم في الصحن ودقت القهوة فيه .
يقول ابن بشر مفتخراً بفعلة قومه أعراب نجد ومسيرهم نحو كربلاء (.. وقصد أرض كربلاء ونازل أهل بلد الحسين . وذلك في ذي القعدة فحشد عليها المسلمون[50] ، وتسوروا جدرانها ودخلوها عنوة وقتلوا غالب أهلها في الأسواق والبيوت ..)[51] هؤلاء هم أعراب نجد يأخذون المسلمين على حين غرة[52] فيتسورون عليهم الجدران في الأشهر الحرم ، من غير جريرة ولا سابق إنذار ! وماذا فعلوا بعد؟ لندع ابن بشر يتحدث مفتخراً بمخازي قومه الوهابية فيقول : (.. وأخذوا جميع ما وجدوا في البلد من أنواع الأموال والسلاح واللباس والفرش والذهب والفضة والمصاحف الثمينة وغير ذلك ما يعجز عنه الحصر )[53] ماذا ؟ نعم حتى المصاحف يسرقها أعراب نجد كي يتهجدوا بها وقت السحر ، فهذا هو الفقه الخارجي الأعوج !!
وقد وصف محمد حامد الفقي ، وهو من المتحمسين للوهابية ، مجزرة كربلاء مشيدا بدور "جند الإسلام " الوهابي فقال: " توجه سعود في ذي القعدة من سنة 1216هـ / 1801م بجموع كثيرة وقوة عظيمة إلى العراق والتقى في كربلاء بجموع كثيفة من الأعاجم ورجال الشيعة (وهم الزوار العزل طبعا ) الذين استماتوا في الدفاع عن معاقل عزهم ومحط آمالهم ، قبة الإمام الشهيد الحسين t وغيرها من القباب والمشاهد .
ولكن جيش التوحيد (!) قد تغلب بقوة إيمانهم (!) وصدق عزيمتهم في الجهاد (!) لهدم كل نصب وطاغوت (!) اتخذ مع الله شريكا في العبادات وجعل لله نداً في القربات ... فكانت موقعة هائلة وكانت مذبحة عظيمة سالت فيها الدماء أنهاراً ، خرج منها سعود وجيشه ظافرين ودخل كربلاء وهدم القبة العظيمة بل الوثن الأكبر(!) المنصوب على ما يزعمون من قبر الإمام الحسين بن علي رضي الله عنهما . وأقر الله بهدمها عين الإمام الحسين وعيون الموحدين الذين يتتبعون شرعة جد الحسين أشرف الخلق محمد صلى الله عليه واله وسلم ورضي الله عن الحسين وآله الطاهرين)[54].
فعلاً لقد سالت الدماء أنهارا ، ولكن ليس لتقر عين الحسين وجد الحسين صلى الله عليه وآله وسلم بل لتمتلئ خزائن الوهابية من الأموال المنهوبة ويرضى أسيادهم النصارى واليهود[55].
ولا ضرورة لمزيد تعليق على كلام هذا الشيح المتكسب ، النابع من روح وهابية متشفية شامتة ، فهاهم يسمون الحسين بن علي - رضي الله عنهم من أهل بيت - طاغوتا ، بينما يترحمون ليل نهار على يزيد بن معاوية!
النجف الأشرف:
وفي شهر صفر من سنة 1221هـ /1806م هاجم سعود المذكور النجف الأشرف حتى وصل إلى السور وصعد عليه بعض أصحابه ولكن أهل النجف تصدوا له وردوه على أعقابه بعد أن أكثروا القتل في المهاجمين .
ثم حاول سعود أن يغزو النجف مرة أخرى في جمادى الآخرة من السنة التالية ولكنه وجد أهل النجف مستعدين على السور بالأسلحة فكر راجعا ، فتوجه إلى الحلة فلما رأى أهلها على استعداد تحول عنها إلى كربلاء التي فاجأها نهارا ، ونشبت معركة بينه وبين أهلها ، وفشا القتل بين الفريقين فاضطر إلى التراجع وراح ينهب في أنحاء العراق الجنوبي فعطل الحج ثلاث سنين .
وفي سنة 1225هـ /1810م عاود الوهابية الكرة على النجف وكربلاء فقطعوا الطريق وأخذوا ينهبون الزوار وقتلوا منهم عددا كبيرا قدر بمائة وخمسين نفسا ما بين الكوفة والنجف . وهكذا لم يرع الوهابيون حرمة لابن بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم[56].
وهكذا غزا الأعراب العراق وأعادوا ذكريات التتر بالقتل والنهب والتخريب وتدمير الأشجار (أي القضاء على البنية التحتية ، وسياسة الأرض المحروقة بلغة العصر ) فكيف يجوز ذلك في حق الأنعام ، بله المسلمين ؟!
والحق أن دور الوهابية في خدمة السياسة البريطانية لم يقتصر على الجزيرة العربية ، بل هو تجاوزها إلى الدول العربية والعالم الإسلامي ، ففي سنة 1922 كما ذكر السيد عبد الرزاق الحسني في كتابه ( تاريخ الوزارات العراقية ) حيث يذكر أنه عندما عجزت بريطانيا عن إكراه العراقيين على قبول الانتداب البريطاني ، حركت الوهابية للإغارة على أطراف عشائر المنتفك ليلة 11 مارس وذلك بقصد دفع العراقيين إلى الارتماء في أحضان بريطانيا كي تحميهم من الوهابية.
نجران :
يقول مؤرخهم عثمان النجدي[57] في أحداث سنة 1220 هـ وفيها أمر سعود على عبد الوهاب ورعاياه من عسير وألمع وغيرهم وفهاد بن شكبان ورعاياه من بيشة وغيرها وعبيدة وأهل سنجان ووادعة وقراها وأهل وادي الدواسر ومن تبعهم ، قيمة ثلاثين ألف مقاتل وذكَّرَهم يصدون نجران لقتال أهله . فسار هؤلاء الجموع ونازلوا أهل بدر مدة أيام .وجرى بينهم وقائع وقتلى بين الفريقين.
الاحساء:
يقول مؤرخ الوهابية في أحداث 1210 هـ (… فلما استووا على ركائبهم (أي جنود الوهابية) وساروا ثوروا بنادقهم دفعة واحدة ، فأظلمت السماء وأرجفت الأرض ، وثار عج الدخان في الجو ، وأسقط كثير من الحوامل في الإحساء ، ثم نزل سعود في الرقيقة … فأقام في ذلك المنـزل يقتل من أراد قتله ، ويجلي من أراد جلاءه ، ويحبس من أراد حبسه ، ويأخذ من الأموال ، ويهدم من المحال ، ويبني ثغوراً ، ويهدم دوراً ، وضرب عليهم ألوفاً من الدراهم وقبضها منهم .. ثم يقول عن القتل وذلك بعد الاستسلام .. فهذا مقتول في البلد ، وهذا يخرجونه إلى الخيام ، ويضرب عنقه عند خيمة سعود ، حتى أفناهم إلا قليلا ، وحاز سعود في تلك الغزوة ما لا يحصى)[58]
فإطلاق البنادق (تثويرها) دفعة واحدة كانت مقصودة لإثارة الرعب كما هو واضح حتى أسقطت النساء ما في أرحامها كما يفتخرون أخزاهم الله ، فبالله عليكم ما ذنب الأجنة في الأرحام ؟!، وهذا هو ديدنهم يقول ابن بشر عن غزوهم لبلاد حرمه في طريقهم للخرج (فلما انفجر الصبح أمر عبدالله على صاحب بندق يثورها ، فثوروا البنادق دفعة واحدة فارتجت البلد بأهلها ، وسقط بعض الحوامل وإذا البلاد قد ضبطت عليهم..)[59] وهل يقتل أهل ملة التوحيد حتى بعد الاستسلام؟! ، إنه البغي الوهابي ، إنها الصناعة النصرانية تؤتي أكلها ، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
البحرين:
امتنع العتوب عن دفع الجزية فهاجمهم الوهابية وقتلوا منهم الكثير ، وأوقعوا بهم خسائر جسيمة.[60]
وقد هاجم الوهابية البحرين مرات عديدة ، ومنها الحادثة الشهيرة التي رواها مؤرخ الوهابية عثمان النجدي في كتابه (عنوان المجد) حين قتل الوهابية من أهل البحرين 1400 رجل فانتقم الله لأهل البحرين فانفجر البارود داخل السفن الوهابية المغيرة فمات الجند الوهابي حرقاً وغرقا والحمد لله رب العالمين.[61]
قطر:
يقول ابن بشر الوهابي في أحداث سنة 1206هـ (وفيها غزا سليمان ابن عفيصان بأمر عبد العزيز بجيش من أهل الخرج وغيرهم ، وقصد قطر المعروف بين عمان والبحرين ، فصادف منهم غزواً نحو خمسين مطية فناوخهم ، فقاتلوا وهزمهم سليمان ، وقتلهم إلا القليل ، وأخذ ركبهم.)[62]
ويقول كذلك ، عندما تحدث عن أحداث 1209 هـ (..ثم سار بهم إبراهيم بن عفيصان فقصد ناحية قطر ، وأغار على أهله فأخذ إبلا كثيرة من بواديهم وأموالهم ، فأقبل بها وباعها في الإحساء)[63]
والحقيقة أن الجيش الوهابي هذا بدأ يغير على قطر منذ سنة 1208هـ ، حيث قاتل ابن عفيصان بني عتبة (العتوب) في (الزبـارة)[64] من قطر ، وحاصرهم ، ومنع الناس من الدخول إليها أو الخروج منها ، حتى اضطر العتوب[65] للهجرة إلى البحرين هرباً بنسائهم وأطفالهم سنة 1212هـ (1797م) ، ولم يعودوا حتى دخلوا مكرهين في المذهب الوهابي ، وهاجم الوهابية كذلك مناطق أخرى في قطر حيث تقيم قبائل فريحة والحويلة واليوسفية والرويضة وغيرها ، وأخذوا يثيرون الشقاق والضغائن بينهم[66].
فمتى كان أهل قطر كفاراً تحلُّ دماؤهم وأموالهم ، وما هو حال قاتلهم عند الله؟ ومتى كان إرعاب المؤمنين جائزاً حتى يضطروا للهجرة والخروج من ديارهم ؟ ومتى كان تغيير الدين بل المذهب جائزاً بالإكراه ، والله سبحانه وتعالى يقول (لا إكراه في الدين ) ؟ ومتى كانت إثارة الشحناء والبغضاء بين المسلمين جائزة ؟
ويكفي الوهابية عاراً إلى يوم الدين نفيهم للشيخ العلّامة (يعقوب بن يوسف) الأشعري العقيدة إلى البحرين لأنهم لم يستطيعوا نشر باطلهم وهو هناك حيث كان يفنِّد شبههم ، ومات وهو يتحرَّق شوقاً للعودة إلى بلده انتقم الله من ظالمه.[67]
أبو ظبي:
يصف ابن بشر هجوم أوباش الوهابية على عمان وكيف نصب لهم بنو ياس الكمين (وصار طريق المطيري ومن معه على الطريق الذي رصد فيه ابن طحنون بمن معه فحصل على المسلمين هزيمة شنيعة فقتل منهم رجال وهلك منهم أناس ظمأ..)[68]
ويصر ابن بشر على تسمية هؤلاء البغاة بالمسلمين ، لتمييزهم عن أهل الجزيرة ومن حولها ممن يشهدون أن لا إله إلا الله فهو عندما يذكر قتلاهم يقول (وممن قتل من المسلمين فلان)[69] مع أن هؤلاء ليسوا إلا قطّاع طرق يسبون ويسلبون فقد تحدث عنهم وإمامهم بقوله عندما أرسل للشريف هداياه (وأرسل الإمام هدية سنية من الخيل والعمانيات[70] ودراهم ليست بكثيرة) ويقول في ذات الصفحة ( فلما وصل الحيد إذا أن الرخمان من عربان مطير قاطنين عليه فأخذهم وقتل منهم رجالا وأخذ العسكر جملة من نسائهم)[71] فهل من معتب على أسود بني ياس أن يقتلونهم ظمأ[72]!
عمان:
كان للوهابية حملات شرسة عديدة ضدَّ عمان ، يذكر فيها مؤرخهم ، عثمان بن بشر الحنبلي النجدي أن الله يسلط عليهم خلال هجماتهم الصواعق ، والمحن ، بل ويذكر أن نجْد تصاب بالقحط والأمراض بعد كلِّ إغارة ، وهو ما سندون له في غير هذا الكتاب إن شاء الله ، وعلى العموم فإن هذه الهجمات لسعة أمدها ولقسوتها تحتاج إلى دراسة مستقلة ، ولكن لن يفوتنا ههنا تدوين الأحداث التالية:
واحة البريمي[73]:
في سنة 1207 هـ /1792 م تعرضت البريمي لغزو وهابي شرس بقيادة مطلق المطيري الذي ما يزال العمانيون يضربون به المثل في الفساد والإفساد ، وكذلك من بعده سعد بن مطلق المطيري سنة 1264 هـ/ 1849م ، حيث وقعت معركة العاتكة (17)، وذلك طمعا في ضم هذه الواحة للنفوذ الوهابي ، فتعرضت قبائل النعيم وبني كعب وبني قتب ، لحرب شرسة وسلب ونهب ورشاوٍ[74] مما اضطرهم للخضوع لسلطانهم إلى أمد مع دفع الجزية[75] !! وهكذا اتخذت البريمي قاعدة للهجوم الوهابي على عمان، وفعلوا ما لم يفعله البوكيرك البرتغالي أثناء هجومه.
صحار:
بين سنة 1222 هـ / 1807م وسنة 1225 / 1810م وجه الوهابية قواتهم مرة أخرى إلى عمان ، ولندع مؤرخهم عثمان بن بشر النجدي يتحدث عن بعض بغْيِهم ؛ لتكون الشهادة من ألسنتهم مع التنبيه إلى خلطه عند ذكر بعض أسماء القادة ، ولكن العبرة في ما يشهدون به على أنفسهم من همجية (…ثمَّ سعود أرسل إلى عمان عبدالله بن مزروع صاحب منفوحة وعدة رجال من أهل نجد و أمرهم بنـزول قصره البريمي المعروف في عمان ، مطلق المطيري بجيش من أهل نجد ... ، فقاتل أهل الباطنة سحار (صحار) ونواحيها ، ورئيسهم يومئذ عزان بن قيس.
وقاتلوا سعيد بن سلطان صاحب مسكة (مسقط) ودام القتال بينهم وقتل من عسكر عزان مقتلة عظيمة بلغت القتلى نحو خمسمائة رجل ، ثم أنه اجتمع مع مطلق المطيرى جميع من هو من رعية سعود من أهل عمان ، فنازل أهل سحار بألوف من المقاتلة . ودخلت سنة خمس وعشرين وهم على ذلك يقتلون ويغنمون . وأخذ مطلق ومن معه قرى كثيرة من نواحى سحار من أهل الباطنة . وبايع غالبهم على دين الله ورسوله والسمع والطاعة. ولم يبق محارب إلا مسكة ونواحيها مملكة سعيد وما تحت ولاية عزان من سحار ، وغنموا منها غنائم كثيرة ، وبعثوا الأخماس إلى سعود في الدرعية.)[76]
والذي نعلمه أن الإمام عزان بن قيس تم تنصيبه سنة 1285هـ (1869م) ؛ فهناك فترة ليست بالقصيرة بين عهده وعهد السلطان سعيد بن سلطان (1806-1856) ، والمؤكد أن قبائل البريمي التي كانت تعاني من الاحتلال الوهابي استغاثت بالإمام عزان سنة 1869 حيث طلب ذلك زعيمها محمد بن علي النعيمي ، فما كان من الإمام الذي انتخب حديثاً إلا أن هبَّ لنجدتهم في 18 يناير 1869 ، وبعد أربعة أيام من هجوم قوي ، حررت البريمي من الاحتلال ، وباشر الإمام على الفور بردِّ الأموال التي صادرها الوهابية لأصحابها الأصليين ، وعين عليها ولاة وقضاة من السكان[77] ، فلا غرابة أن يلتصق اسمه بِخَلَدِ الوهابية فيرونه من الفَرَقِ في كل موقع.
شناص:
قلنا في أحاديث سابقة أن الوهابية كانوا صنيعة للنصارى يتآزرون ويتناصرون ، وهكذا كان حالهم في مدينة شناص حيث هجم عليها الإنجليز حوالي عام 1225 هـ 1810م ، وخاضوا حرباً شرسة ضدَّ أهلها ، بعد أن استعصت على مطلق المطيري ، ثمَّ سلموها لمطلق بعد أن أنهكتها البحرية البريطانية بالقصف.
صور:
هاجم الوهابية ساحل صور بشرقية عمان ، عام 1282هـ / 1865 م ، منطلقين من واحة البريمي ، واستطاعوا احتلالها وتقتيل الكثير من أهلها ، واستولوا على أموال التجار ، وكان من حسن حظ أهل صور أن بعض هؤلاء التجار كانوا هنوداً من رعايا الدولة البريطانية فهددتهم بالهجوم على الدمام إن أعادوها ، وبدأت إرعابهم ليخرجوا من صور بقصفهم من البوارج البريطانية في 11 فبراير 1865 م.[78]
مسقط ومطرح وبركاء وسمائل:
وقد غزا الوهابية بقيادة مطلق سمائل من داخلية عمان وبركا من الباطنة وأغاروا على مطرح فقتلوا ونهبوا ثمَّ توجهوا إلى مسقط ، ولما عجزوا عن اقتحام سورها أحرقوا البيوت التي خارج السور[79] ، علماً بأن المسلمين بتلك المنطقة أكثرهم من المسلمين السنَّة النازحين من شبه القارة الهندية .
وهكذا قتِّل الكثير من أهل الباطنة وصور ، مما اضطر الكثير منهم للدخول في الدين الوهابي الجديد بعد أن فقدوا الكثير من أرواحهم وأبنائهم وأموالهم ، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
اليمن :
لقد عاث الوهابية في اليمن فسادا ، ، واحتلوا صنعاء وأمعنوا فيها قتلا ، ونهبوا خيراتها ، ووضعوا لها إماماً من أتباعهم ، وغاروا على أرجاء اليمن غارات عديدة هائلة، فقد حشدوا لتخريبها في إحدى المرات خمسين ألف مقاتل[80] ، وإليك ما يقوله مؤرخهم في غزو الحديدة سنة 1220هـ:
(ثم أن إمام صنعاء (أي المستعمر الوهابي) سير عساكر عظيمة وحاصروا بندر الحديدة وأخذوه ... فتجهز صالح المذكور إلى زبيد وجنوده وقومه فسار إليه بجيش عديد من قبائل عديدة حاضرة و بادية نحو ثلاثة الآف مقاتل فنازل أهل زبيد وأخذوه عنوة ونهبوا منها من الأموال والأمتاع شيئا كثيرا ، ولم يمتنع إلا القلعة الأمامية وما تحميه ، ثم خر جوا عنها ، وعزل صالح الأخماس وبعثها إلى الدرعية.)[81]
وما إن ذاق الوهابية حلاوة الدم والمال اليمني حتى عادوا إليه ثانية ، حيث يقول في غزو الجنوب اليمني للمرة الثانية سنة 1225هـ (ثم سار بعده طامي بن شعيب أمير عسير وألمع وغيرهم بعسكر عظيم من قومه وأهل الحجاز وقحطان وغيرهم وتوجهوا إلى البندر المعروف باللحية ، فحصروها ، وأخذوها عنوة وأخذوا غالب ما فيها من الأموال والذهب والفضة والقماش واللؤلؤ والحرير وأنواع الأموال التي لا يحصيها العد . وذكر لنا أن منهم من طحن اللؤلؤة يحسبه ذرة. وقتل من أهلها خلق كثير قيل أن الذي هلك منهم ألف بين القتل والهلاك. ودمروا البلد وأشعلوا فيها النيران... وتوجهوا إلى بندر الحديدة ونازلوا أهلها فأخذوها عنوة واستالوا على غالب البلد ، وكان أهلها قد بلغهم مسير تلك الجنود فحملوا خفيف أموالهم في السفن وركب فيها أكثر الرجال فأخذ طامي ومن معه ما وجدوا فيها من المال والمتاع ودمروها وقتلوا من أهلها قتلى كثيرة وقبض عمال سعود أخماس الغنائم وساروا بها إلى الدرعية)[82]
فسبحان الله من هؤلاء الأوباش الذين لا يفرقون بين اللؤلؤ والذرة ، وما الفرق بين هجومهم وهجوم التتار الذين يقتلون وينهبون ويحرقون ، وأي إسلام هذا الذي يحلُّ الإغارة على المسلمين؟[83]
أيها الاخوة : إن بإمكاننا الاستمرار طويلاً في سرد الأحداث الدامية التي ارتكبها الوهابية في حق المسلمين ، ولكن في ما ذكرناه كفاية لنثير التساؤلات التالية :
هل هؤلاء الذين ذكرنا من أهل الجزيرة وما حولها كانوا خارجين من ملة الإسلام حتى يعاملوا هذه المعاملة ، فتستباح دماؤهم وأموالهم ويؤخذ كل ما بأيديهم عنوة ؟! هل هذا هو تصرف المسلمين ؟! وهل عرف ذلك عن السلف الصالح ؟ وهل كان صحابة رسول الله r يصنعون بأهل التوحيد مثل هذا الصنيع ؟ فكيف ينتسب هؤلاء الحشوية زوراً وبهتاناً إلى السلف الصالح ؟! ثم هم في نفس الوقت ينكرون على أهل الحق والاستقامة استقامتهم ويلصقونهم بالخوارج .
ما هو الفرق بين تصرف الخوارج وتصرف هؤلاء الحشوية ؟
من هو أولى بصفة الخارجية ؟ هل هم أهل الحق والاستقامة الذين هم أنزه الناس عن إيذاء أي مسلم ، وأبعدهم من استحلال ماله ، أم هم أولئك الحشوية الذين جمعوا بين تشبيه الله بخلقه ـ كما ورثوا ذلك عن اليهود ـ وبين قسوة الخوارج على هذه الأمة ؟
هل كان الحشوية يقاتلون بذلك كفرة خارجين من ملة الإسلام ؟؟ أم أنهم يقاتلون أهل التوحيد الذين يدينون بلا إله إلا الله ؟ فمن لهم بلا إله إلا الله ؟ أما يخشون أن يكون رسول الله r خصمهم يوم القيامة ؟ فعندما قتل أحد أصحاب رسول الله r رجلاً قال لا إله إلا الله وظن أنه قالها من لسانه ولم يدن بها قلبه ، قال له رسول الله r : ( هل فتشت عن قلبه ) وقال له من اللوم والتقريع ما قاله فكيف بهؤلاء الذين يتعمدون إزهاق أرواح أهل كلمة لا إله إلا الله ؟؟!! ... فبالله عليكم هل هؤلاء القوم مشركون خرجوا من ملة الإسلام ؟! هل أنكروا ما عُلم من الدين بالضرورة ؟! هل ارتدوا عن هذا الدين الحنيف ؟! هل هم من الوثنيين ؟! هل هم من اليهود أو النصارى وقد امتنعوا عن الدخول في الطاعة وامتنعوا عن أداء الجزية الواجبة عليهم حتى تنتهك أموالهم وأنفسهم هذا الانتهاك ، أم أن هذا التصرف يباح لهؤلاء الحشوية ويشنع على الخوارج إن تصرفوا تصرفاً لا يكاد يصل إلى عُشر مثل هذه التصرف ؟! فكيف مع ذلك يقال إن هؤلاء الحشوية على طريق السلف الصالح ، ويعاب على الخوارج بما يعابون به ؟! ونحن بطبيعة الحال لا نتفق مع الخوارج في استباحتهم لأموال المسلمين ولا في تشريكهم لهم[84] ، ولكن هل ترى من فرق بين تصرف هؤلاء الحشوية وتصرف الخوارج ؟!

--------------------------------------------------------------------------------
[1] محمد الأمين ، كشف الارتياب ص 18 نقلا عن الشيخ أحمد بن زيني دحلان
[2] الخطيب ، صفحات من تاريخ الجزيرة ،ص 178
[3] د. محمد عوض الخطيب ، صفحات من تاريخ الجزيرة العربية الحديث ص 178 و233
[4] محمد أديب غالب ، من أخبار الحجاز ونجد في تاريخ الجبرتي ص 90 ، ط. دار اليمامة للبحث والترجمة والإشراف ، طبعة أولى.
[5] السيد إبراهيم الراوي الرفاعي ، الأوراق البغدادية في الحوادث النجدية ، ص 2-4 ، طبع مطبعة النجاح ، بغداد ، 1345هـ.
[6] تولى الأمور بعد مقتل الكابتن شكسبير في حرب الوهابية لآل رشيد في معركة الجراب عام 1915م
[7] اسم قوات الوهابية الذين عاثوا في الأرض فساداً لتدعيم النفوذ الوهابي بالجزيرة وماحولها مثلهم في ذلك مثل جيش مسيلمة العرمرم الذي أباد خضراء المسلمين وذهب على يديه كثير من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولكن الله يضرب الظالم بالظالم ؛ فأبيدوا أيضاً في ما بعد مثلهم في ذلك مثل البرامكة عند العباسيين ، وذلك بعد أن قاموا بثورة مسلحة ضد الزعامة الوهابية التقليدية بقيادة الدويش بين عامي 1929 و1930 فأفتت الزعامة الدينية بأنهم خوارج فضرب عليهم الحصار ومنعوا من الحصول على التموين الغذائي ثم قصفهم السلاح الجوي الملكي البريطاني بطائراته ، وتمت تصفية الكثير منهم جسدياً بعد الاستسلام.
[8] ناصر السعيد تاريخ آل سعود ص193 و 359
[9] وقد كان ذلك بتوجيه نصراني كما أوضح ذلك زعيم الوهابية الميداني ، المستر (جون فيلبي) كتابياً وقد ذكرنا مقولته في موضع آخر.
[10] عثمان النجدي ، عنوان المجد في تاريخ نجد (ج1 ، ص 135)
[11] رواه البخاري ومسلم وغيرهما.
[12] السيد محسن الأمين ، كشف الارتياب ص 27
[13] د. محمد عوض الخطيب ، صفحات من تاريخ الجزيرة العربية ص 179-180.
[14] السيد أبو العُلى التقوي ، الفرقة الوهابية في خدمة من؟ ص 116
[15] عثمان بن بشر الحنبلي ، عنوان المجد في تاريخ نجد ، ج1 ص 139.
[16] نفس المصدر ، ج1 ص 143
[17] د. محمد عوض الخطيب ، صفحات من تاريخ الجزيرة العربية ، دار المعراج للطباعة والنشر ، ص 198-199
[18] الحقيقة أن علماء الأمة لن يكونوا كعلماء الوهابية ، يخطبون خطبة الجمعة في المسجد الحرام بمناسبة مرور مائة عام على قيام الدولة السعودية ، كما فعل الشيخ السديِّس هذا العام 1419هـ!! حتى اضطر كثير من العقلاء للخروج من المسجد وتركه لتهريج الوهابية ولا حول ولا قوة إلا بالله.
[19] منع 16 ألفاً من الحجاج العراقيين هذا العام 1419هـ من العبور براً لأداء مناسك الحج دليل حديث على ذلك.
[20] أي آل الشيخ محمد بن عبدالوهاب فعلمهم وراثي!
[21] ينسبه إلى جده ، وإلا فإنه عثمان بن حمد بن معمر كما ذكره ابن بشر في عنوان المجد 1/8.
[22] وممن أرخ لهذا العمل الشائن مؤرخ الوهابية ابن بشر في عنوان المجد 1/23
[23] يثبت ابن بشر في عنوان المجد 1/13 أن عثمان هذا ذهب إلى ابن عبدالوهاب في الدرعية للمصالحة ونبذ الخلاف خوفاً من شره على أهل العيينة ولكنه عاد من عنده بخفي حنين.
[24] أي تاريخ نجد
[25] ناصر السعيد ، تاريخ آل سعود ، ص 21
[26] راجع التقوي ، الفرقة الوهابية في خدمة من؟ ، طبعة الإرشاد للطباعة والنشر بيروت – لندن ، ص 31 –32. وعثمان بن بشر النجدي الحنبلي ، عنوان المجد في تاريخ نجد ، مكتبة الرياض الحديثة بالرياض ، ج 1 ، ص 23
[27] رواه الطبراني في الكبير (11/79) عن طريق ابن عباس ، ورواه غيره عن طريق أبي هريرة بلفظ (من أعان على قتل مؤمن..) وقد رواه بهذا اللفظ البيهقي في السنن الكبرى (8/22) وأبو يعلى في مسنده (10/306) ، وابن ماجة في سننه (2/874) ، وإن كان في إسناده مقال فإنه معضود بصريح الكتاب في قوله تعالى { ( وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا} قال ابن عباس كما في صحيح البخاري ومسلم ( هِيَ آخِرُ مَا نَزَلَ وَمَا نَسَخَهَا شَيْءٌ) وكذلك صريح السنة ، كقوله صلى الله عليه وسلم عند أحمد عن طريق معاوية ( كُلُّ ذَنْبٍ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَغْفِرَهُ إِلَّا الرَّجُلُ يَمُوتُ كَافِرًا أَوِ الرَّجُلُ يَقْتُلُ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا ) ، و قوله صلى الله عليه وسلم عن طريق أبي سعيد الخدري وأبي هريرة ( لَوْ أَنَّ أَهْلَ السَّمَاءِ وَأَهْلَ الْأَرْضِ اشْتَرَكُوا فِي دَمِ مُؤْمِنٍ لَأَكَبَّهُمُ اللَّهُ فِي النَّارِ) ويرى ابن عباس أن ليس لقاتل النفس المؤمنة من توبة كما رواه مسلم ( عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ أَلِمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا مِنْ تَوْبَةٍ قَالَ لَا قَالَ فَتَلَوْتُ عَلَيْهِ هَذِهِ الْآيَةَ الَّتِي فِي الْفُرْقَانِ ( وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ) إِلَى آخِرِ الْآيَةِ قَالَ هَذِهِ آيَةٌ مَكِّيَّةٌ نَسَخَتْهَا آيَةٌ مَدَنِيَّةٌ ( وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا ..) يقول ابن عباس (وقوله صلى الله عليه وسلم عن قاتل المؤمن (وَأَنَّى لَهُ التَّوْبَةُ سَمِعْتُ نَبِيَّكُمْ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ يَجِيءُ مُتَعَلِّقًا بِالْقَاتِلِ تَشْخَبُ أَوْدَاجُهُ دَمًا يَقُولُ سَلْ هَذَا فِيمَ قَتَلَنِي ثُمَّ قَالَ وَاللَّهِ لَقَدْ أَنْزَلَهَا وَمَا نَسَخَهَا) رواه النسائي وعند ابن ماجة (وأنى له الهدى) مكان (التوبة).
[28] يراجع د. محمد عوض الخطيب :صفحات من تاريخ الجزيرة العربية ، دار المعراج ص174، 187، 278 .و إبراهيم عبدالعزيز عبدالغني : صراع الأمراء ، دار الساقي ط1 ،ص 30. ، وعبدالرحمن ناصر الشمراني ، مملكة الفضائح ، دار الإنسان ج2 ص 51
[29] آل الصباح هم من العتوب.
[30] المدعو محمد السهلي هذا كان أحد المتزعمين للطعن في المسلمين على الشبكة العالمية للمعرفة (إنترنت)
[31] أحمد أبو حاقة ، لمع الشهاب ، ص 74-75 ، وقد انتهت قوة الخوالد عملياً سنة 1204هـ في موقعة غريميل.
[32] هذا الكتاب يضم مجموعة الأحكام التي حكم بها علماء نجد الوهابية الحشوية بتكفير وقتل المسلمين ، ومن خلال هذه الأحكام يتضح للقاريء المسلم المؤامرة الخبيثة ضد الأمة الإسلامية من قِبل هؤلاء الحشوية ، وقد طُبع لأول مرة بمصر سنة 1349هـ ، وقد صدر الإذن بنشره للمرة الثالثة من رئاسة الإفتاء والدعوة والإرشاد بالسعودية برقم 621/5 وتأريخ 4/6/1409هـ ، ونشرته دار العاصمة ، الرياض ، 1412هـ وهذا يدل على أن هؤلاء الحشوية الوهابية سائرون على نفس الخط إلى الآن.
[33] عنوان المجد ص 91
[34] كثيراً ما يثني الوهابية وخصوصاً وهابية الكويت على يزيد في أشرطتهم ومحاضراتهم بأحسن ما في جعبهم من صفات وكأنهم –وعلى أقل تقدير-لا يقلدون إمامهم أحمد فيه حين قال لابنه صالح (يا بني ، وهل يحب يزيد أحد يؤمن بالله واليوم الآخر ؟) راجعه في مقال التماحك (1-2)
[35] عثمان بن بشر الحنبلي النجدي ت 1288هـ ، عنوان المجد في تاريخ نجد ، الناشر مكتبة الرياض الحديثة ، بدون تاريخ نشر ، وقد فهرس الجزء الأول منه وضبط أسماء البلدان فيه الشيخ محمد عبدالرزاق حمزة المدرس بالحرم الشريف ، ج1 ، ص 137
[36] الخطيب ، صفحات من تاريخ الجزيرة ص 188
[37] عنوان المجد ، 1/150-151
[38] صفحات من تاريخ الجزيرة العربية ، ص 175.
[39] صفحات من تاريخ الجزيرة ص 175، ومما قالوه لأهل حائل بعد احتلالها عام 1922 (اسمعوا يا أهل حائل .. ما جئنا إلا لتمكين الإسلام في قلوبكم ، فعلينا الحكم به ، وعليكم السمع والطاعة! .. وإن من يسافر إلى العراق وسوريا ومصر يباح دمه وماله ، لأن أهل العراق وسوريا ومصر من الكفار والمشركين) لا تعليق! (يراجع أبو العلى التقوي ، الفرقة الوهابية في خدمة من؟ ص 231)
[40] لمع الشهاب ص 89 ، صفحات من تاريخ الجزيرة ص189
[41] ناصر السعيد في تاريخه ص 501 و 502 ، صفحات من تاريخ الجزيرة العربية الحديث ، ص 234 و235
[42] د. محمد عوض الخطيب ، صفحات من تاريخ الجزيرة العربية ، دار المعراج للطباعة والنشر ، ص 179.
[43] ابن بشر ، عنوان المجد ، ج1 ص 88 -89
[44] إبراهيم عبدالغني ، صراع الأمراء ص 30
[45] عنوان المجد 1/152 –153 وذلك من أحداث سنة 1225هـ.
[46] عنوان المجد ص137- 138.
[47] لوريمر ج ج ، دليل الخليج ، القسم التاريخي ، ص 16606
[48] يقول ابن بشر أنهم أخذوا (أي اغتصبوا) الكثير من الزمرد والياقين (لعله الياقوت) والجواهر (عنوان المجد 1/121)
[49] لمع الشهاب ، ص 90
[50] وكأن أهل كربلاء مجوساً أو يهوداً أو نصارى !
[51] عنوان المجد 1/121
[52] يصف ابن بشر سرعة الإغارة بقوله (لم يلبثوا بها إلا ضحوة وخرجوا منها قرب الظهر) عنوان المجد 1/122 ، لتعلم حجم هذه القوة بناء على فعلها التدميري الهائل الذي أحدثته.
[53] عنوان المجد 1/121-122
[54] محمد حامد الفقي ، أثر الدعوة الوهابية ص 84.
[55] الخطيب ، صفحات من تاريخ الجزيرة العربية ، ص 176 بتصرف
[56] صفحات من تاريخ الجزيرة ص 176-177
[57] أسلوب الشيخ عثمان يمتاز بالركاكة كأي وهابي ، ومع هذا يفاخر به الوهابية حتى أن حمد الجاسر وأمثاله يكتب في المجلة العربية وعلى حلقات عن منهجية الشيخ عثمان بن بشر !
[58] ابن بشر ، عنوان المجد ،ج1 ، ص 106
[59] عنوان المجد 1/67
[60] إبراهيم عبدالعزيز عبدالغني ، صراع الأمراء ، دار الساقي لندن ط 1 ، 1990 ، ص 33 ، صفحات من تاريخ الجزيرة ص 174
[61] عنوان المجد ، ج1 ص 157
[62] عنوان المجد ج1 ص 88
[63] عنوان المجد ج1 ، ص 103
[64] عنوان المجد ج1 ، ص 150. الخطيب ، صفحاتمن تاريخ الجزيرة العربية ، ص 173
[65] العتوب من آل خليفة تخصيصاً ؛ وقد كان هؤلاء هم حكام قطر قبل آل ثاني حتى احتلال الوهابية لقطر عام 1792.
[66] أحمد أبو حاقة ، لمع الشهاب ، دار الثقافة بيروت ، بدون تاريخ ، ص 78 وما بعدها ، إبراهيم عبدالعزيز عبدالغني ، صراع الأمراء ، دار الساقي ، لندن 1988 ، ص 23 ، صفحات من تاريخ الجزيرة ص 173-174، رياض نجيب الريِّس ، رياح السموم ، ط3، ص 305
[67] راجع مقال (كنت وهابياً ) لتعرف بعض التفاصيل.
[68] عنوان المجد 2/118
[69] راجع مثلا المصدر السابق 1/138
[70] وقد ثبت أن نساء كثيرة من صور وغيرها سرقت في غارات الوهابية لا رحمهم الله.
[71] عنوان المجد 2/116
[72] فلا غرو أن يمدح أبو مسلم الرواحي في نونيته الشهيرة بني ياس في أبيات كثيرة منها قوله :
قوم على صهوات الخيـل طفلهم … يربو له من دم الأبطال ألبـانُ
تلكم حصون بني ياسٍ ومعقلهـم … لا يحصن القوم أسوارٌ وحيطانُ
[73] وقت الأحداث كانت هذه الواحة تشمل منطقة العين وهي الآن بدولة الإمارات العربية المتحدة وباقي الواحة بسلطنة عمان.
[74] يذكر الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان أن عبدالله القريشي اتصل به في 26 يوليو 1954 عن طريق شخص يدعى علي براك وعرض عليه سيارة جديدة مع أربعين ألف روبية وأن يخصص له من عائدات أي بترول يكتشف في البريمي أربع مائة مليون روبية ، فأباها بعزَّة نفسه الشريفة ، وعبدالله القريشي هذا كان كاتباً بسيطاً في شرطة القطيف ثم انتدب ليكون كاتباً مع تركي بن عطيشان لكسب مشائخ البريمي وهو الآن مليارديراً في الدمام يشتري الناس بأمواله . وقد وزَّع الوهابية في البريمي ما بين أغسطس عام 1954 و أكتوبر 1955 فقط مبالغ على سبع دفعات بلغت مليون وثلاث مائة واثنين وعشرين ألفاً ومائتين وتسعين روبية أنفقوها في شراء الذمم وتحويل الناس للعقيدة الوهابية! يراجع ناصر الفرج ، قيام العرش السعودي ، ص 81
[75] لمع الشهاب ص 80 ، وصفحات من تاريخ الجزيرة ص 174
[76] ابن بشر ، عنوان المجد 1/148
[77] د. حسين عبيد غباش ، عمان الديمراطية الإسلامية تقاليد الإمامة والتاريخ السياسي ، ط. دار الجديد ، ص 223
[78] موجز تاريخي عن القواسم ، مجموعة مختارات سجلات بومباي ، منشورات المكتبة السرية والسياسية بومباي 1856 ، المجلد 24 ص 319 باللغة الإنجليزية.
[79] أبو حاقة ، لمع الشهاب ، ص 89.الخطيب ، صفحات من تاريخ الجزيرة ، ص 175
[80] عنوان المجد ج1 ، ص 146 – 147 وليت هذا العدد العرمرم الهائل سخِّر لتحرير البلاد العربية من نير الاستعمار الغربي!
[81] عنوان المجد ج1 ،ص 138
[82] عنوان المجد ، ج1 ، ص 151-152
[83] يجب على المنصف أن يقارن حكم الوهابية هذا بتخليص الإباضية بقيادة طالب الحق عبدالله بن يحيى الكندي اليمني لصنعاء من قهر بني أمية ، وإرجاع الأموال التي نهبها بني أمية إلى أهل صنعاء حتى إن طالب الحق وجيشه لم يستحلوا أخذ درهم واحد من هذه الأموال ، إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.
[84] منقول بتصرف من (وسقط القناع) لسماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي ص 42 - 58

مذكرات الجاسوس البريطاني همفر

القسم الأول
كانت دولة بريطانيا العظمى تفكر منذ وقت طويل حول إبقاء الإمبراطورية وسيعة كبيرة كما هي عليها الآن، من إشراق الشمس على بحارها حين تشرق وغروب الشمس في بحارها حين تغرب .
فإن دولتنا كانت صغيرة بالنسبة إلى المستعمرات الكثيرة التي كنا نسيطر عليها في الهند والصين وفي الشرق الأوسط وغيرها. صحيح أننا لم نكن نسيطر سيطرة فعلية على أجزاء كبيرة من هذه البلاد لأنها كانت بيد أهاليها، إلا أن سياستنا فيها كانت سياسة ناجحة وفعالة، وكانت في طريق سقوطها بأيدينا كلية فكان اللازم علينا أن نفكر مرتين .
مرة لأجل إبقاء السيطرة على ما تم السيطرة عليه فعلا .
ومرة لأجل ضم مالم تتم السيطرة عليه فعلا إلى ممتلكاتنا ومستعمراتنا .
وقد خصصت وزارة المستعمرات لكل قسم من اقسام هذه البلاد لجانا خاصة لأجل دراسة هذه المهمة، وكنت أنا من حسن الحظ مورد ثقة الوزير منذ دخلنا هذه الوزارة، وعهد إليّ بمهمة (شركة الهند الشرقية) التي كانت مهمتها في الظاهر تجارية بحتة، وفي الباطن تعزيز سبل السيطرة على الهند، وعلى طرقها الموصلة إلى هذه الأراضي الشاسعة الشبة القارة .
وكانت الحكومة واثقة من الهند، حيث القوميات المختلفة، والأديان المتشتتة، واللغات المتباينة، والمصالح المتضاربة. كما كانت الحكومة واثقة من الصين حيث أن البوذية والكنفوشيوسية الغالبة على هذه البلاد لم تكونا يخشى من قيامهما، لأنهما دينان ميّتان يهتمان في الجانب الروحي، فلا صلة لهما بجانب الحياة. فكان من المستبعد أن يسرى الشعور بالوطنية في أهالي هاتين المنطقتين، ولذلك لم يكن يقلق بال حكومة بريطانيا العظمى هاتان المنطقتان. (نعم) لم نكن غافلين عن إمكانية تطور المستقبل، ولذا كنا نضع الخطط الطويلة الأمد لأجل سيطرة التفرقة والجهل والفقر وأحيانا المرض على هذه البلاد. وكنا لا نجد صعوبة في تغطية نوايانا بغطاء من المشتبهات النفسية لأهالي هذه البلاد براق في ظاهره متين في واقعه. فكنا بذلك نطبق المثل البوذي القديم دع المريض يشعر بحبه للدواء وأن كان مر المذاق .
لكن الذي كان يقلق بالنا هى البلاد الإسلامية، فإننا وأن كنا قد عقدنا مع الرجل المريض (الامبراطورية العثمانية) عدة من المعاهدات كلها كانت في صالحنا، وكانت تقديرات خبراء وزارة المستعمرات أن الرجل المريض (الامبراطورية العثمانية) يلفظ نفسه في أقل من قرن .
وكذلك كنا قد عقدنا مع حكومة الفرس – سرا- عدة معاهدات، وكنا قد زرعنا الجواسيس والعملاء في هذين البلدين، وكانت الرشوة و فساد الادارة وانشغال ملوكها بالنساء الحسناوات، قد نخرت في جسم هذين البلدين، إلا أننا لم نكن نثق بالنتائج، وذلك لعدة أسباب أهمها :
قوة الإسلام في نفوس أبنائه، فإن الرجل المسلم يلقى قيادته إلى الإسلام بكل صلابة، حتى أنك ترى الإسلام في نفس المسلم بمنزلة المسيحية في نفوس القساوسة والرهبان، وتزهق نفوسهم ولا تخرج المسيحية منها. وكان المسلمون (الشيعة) في البلاد الفارسية أخطر، حيث أنهم يرون المسيحية كفارا نجسين، فإن المسيحي عند الشيعي بمنزلة القذارة المتعفنة في يد أحدنا حيث يصرف همته في إزالتها .
وذات مرة سألت أحدهم: لماذا تنظرون إلى المسيحى بهذا المنظار؟ قال: إن نبي الإسلام كان رجلا حكيما وأراد أن يطوق كل كافر بدائرة من الضغط الأدبي لكي يحس بالضيق والوحشة ليكون من أسباب هدايته إلى الله وإلى الدين الصحيح، كما أن الحكومة إذا أحست من إنسان الخطر طوقته بدائرة من المقاطعة حتى يرجع إلى الطاعة والانقياد، والنجاسة التي ذكرتها هى نجاسة معنوية لا مادية ظاهرية، وهي ليست خاصة بالمسيحية بل تشمل كل كافر حتى المجوس الذين هم باريسيون من القديم هم نجس في منطق الإسلام .
قلت له: حسنا ولكن لماذا المسيحيون نجس وهم يعتقدون بالله والرسالة ويوم الميعاد؟ قال: لأمرين (الأول) أنهم ينكرون نبينا محمدا، وهذا يعني أنهم يقولون أن محمدا كاذب، ونحن في قبال هذا الاتهام نقول أنتم أيها المسيحيون نجس طبقا لقانون العقل الحاكم بأن من آذاك فلك أن تؤذية .
( الثاني) أنهم ينسبون إلى أنبياء الله أنسابا غير لائقة، مثل أنهم يقولون أن المسيح كان يشرب الخمر .
قلت له في دهشة: لا يقول المسيحيون هكذا. قال : أنت لا تعلم أنهم في (الكتاب المقدس) عندهم يقولون ذلك. فسكتُ وأنا واثق بأن الرجل كان كاذبا في الأمر الثاني، وإن كان صادقا في الأمر الأول، ولم أرد أن أطوّل معه النقاش لأني خشيت أن تثار حولي شبهة، حيث كنت أنا في الزى الإسلامي وكنت أتجنب الزاوية الحادة دائما .
إن الإسلام كان ذات يوم دين حياة وسيطرة، ومن الصعب عليك أن تقول للسادة أنتم عبيد، فأن نخوة السيادة تدفع بالإنسان إلى التعالي مهما كان في ضعف و انحطاط. ولم يكن بإمكاننا أن نزيف تاريخ الإسلام حتى نشعر المسلمين بأن السيادة التي حازوها كانت بفعل ظروف خاصة قد ولت إلى غير رجعة .
لم نكن نأمن من تحرك الوعى في نفوس العثمانيين وحكام فارس بما يوجب فشل خططنا الرامية إلى السيطرة. صحيح أن الحكومتين قد بلغتا من الضعف مبلغا كبيرا كما ألمحنا إليه إلا أن وجود حكومة مركزية يواليها الناس و بيدها السيادة والمال والسلاح يجعل الإنسان غير آمن .
كنا شديدي القلق من علماء المسلمين، فعلماء الازهر، وعلماء العراق، وعلماء فارس كانوا أمنع سدا أمام آمالنا، فأنهم كانوا في غاية الجهل في مبادىء الحياة العصرية، وقد جعلوا نصب أعينهم الجنة التي وعدهم بها القرآن. فكانوا لا يتنازلون قدر شعرة عن مبادئهم، وكان الشعب يتبعهم والسلطان يخشاهم خوف الفئران من الهرة. صحيح أن أهل السنة كانوا أقل اتباعا لعلمائهم، فأنهم يقيمون الولاء بين السلطان وبين شيخ الإسلام. وأهل الشيعة كانوا أشد ولاء للعلماء لأنهم يخلصون الولاء للعالم فقط، ولا يعيرون السلطان أهمية كافية، إلا أن هذا الفرق لم يكن ليخفف شيئا من القلق الذي كان يساور وزارة المستعمرات بل كل حكام بريطانيا العظمى .
وقد عقدنا المؤتمرات الكثيرة، نلتمس الحلول الكافية لهذه المشاكل المقلقة، لكننا في كل مرة لم نجد أمامنا إلا الطريق المسدود. وكانت التقارير التي تأتينا بانتظام من العملاء والجواسيس مخيبة للآمال، كما كانت نتائج المؤتمرات كلها صفرا أو تحت الصفر. لكننا لم نكن ندع المجال لليأس فينا، حيث عودنا أنفسنا النفس الطويل، والصبر الا متناهى. وأذكر ذات مرة عقدنا مؤتمرا حضره الوزير بشخصه وأكبر القساوسة وعدد من الخبراء، وكان عددنا جميعا عشرين شخصا، وطال النقاش أكثر من ثلاث ساعات وأنتهينا بدون أية نتيجة، إلا أن القس قال: لا تنزعجوا، فأن المسيح لم يصل إلى الحكم إلا بعد ثلاثمائة سنة من الاضهاد والتشريد له ولأتباعه، وعسى أن ينظر إلينا المسيح نظرة من ملكوته فيمنحنا إزالة الكفار عن مراكزهم ولو بعد ثلاثمائة سنة، فعلينا أن نتسلح بالإيمان الراسخ والصبر الطويل وإتخاذ كافة الوسائل والسبل للسيطرة ونشر المسيحية في ربوع المحمديين ولو وصلنا إلى النتيجة بعد قرون، فأن الآباء يزرعون للأبناء .
وحتى أنه -ذات مرة- عُقد في الوزارة مؤتمر حضره ممثلون من كل من بريطانيا العظمى وفرنسا وروسيا وكان مؤتمرا في أعلى المستويات، وكان الحاضرون لفيفا من الهيئات الدبلوماسية ورجال الدين، وكان من حسن حظي أن حضرت المؤتمر لعلاقتي الوطيدة بالوزير، وعرض المؤتمرون مشاكل المحمديين عرضا وافيا حيث ذكروا فيه سبل تمزيقهم وسلخهم عن عقيدتهم وأرجاعهم إلى حظيرة الإيمان كما رجعت إسبانيا إليها بعد قرون من غزو المحمديين البرابرة لها. لكن النتائج لم تكن بالمستوى المطلوب، وقد كتبت أنا كل ما دار من نقاش في ذلك المؤتمر في كتابي - إلى ملكوت المسيح :
أنه من الصعب أن تقلع جذور شجرة أمتدت إلى شرق الارض وغربها، لكن الإنسان يجب عليه أن يذلل الصعاب مهما كان الثمن. إن المسيحية لم تأتي إلا لتنتشر، وقد وعدنا بذلك السيد المسيح نفسه، أما محمد فقد ساعده ظرف انحطاط العالمين الشرقى والغربي، وظروف الانحطاط إذا ولّت فقد يذهب معه أيضا ما رافقه من ويلات. ومن حسن الظن أن الأمر قد انعكس فقد إنحط المحمديون وارتفعت بلاد المسيح، فإنه الوقت لأن نطلب الثأر ونسترجع ما فقدناه طيلة قرون، وهاهى دولة قوية عصرية هى بريطانيا العظمى تأخذ بزمام هذه المبادرة المباركة .
أوفدتني وزارة المستعمرات عام (1710) إلى كل من مصر والعراق وطهران والحجاز والاستانة لأجمع المعلومات الكافية التي تعزز سبل تمزيقنا للمسلمين، ونشر السيطرة على بلاد الإسلام .
وبُعث في نفس الوقت تسعة آخرين من خيرة الموظفين لدى الوزارة، ممن تكتمل فيهم الحيوية والنشاط والتحمس لسيطرة الحكومة على سائر أجزاء الامبراطورية، وسائر بلاد المسلمين، وقد زودتنا الوزارة بالمال الكافي، والمعلومات اللازمة والخرائط الممكنة، وأسماء الحكام العلماء والحكام ورؤساء القبائل، ولم أنسى كلمة السكرتير حين ودعنا باسم السيد المسيح وقال: إن على نجاحكم يتوقف مستقبل بلادنا فابدوا ما عندكم من طاقات النجاح .
فأبحرت أنا جهة الاستانة مركز الخلافة الإسلامية، وكانت مهمتى مزدوجة. وحيث كان من المفروض أن أكمل تعليمى للغة التركية، لغة المسلمين هناك، فقد كنت تعلمت شيئا كثيرا عن ثلاث لغات في لندن، اللغة التركية ولغة العرب (لغة القرآن) واللغة الفلهوية لغة أهل فارس. لكن تعلم اللغة شيء والسيطرة على اللغة حتى يتمكن الإنسان أن يتكلم مثل لغة أهل البلاد شيء آخر .
فبينما لا يستغرق الأول إلا سنوات قلائل، يستغرق الأمر الثاني أضعاف ذلك الوقت، فإن المفروض أن أتعلم اللغة بكافة دقائقها حتى لا يثار حولي شبهة .
ولكني لم أكن أقلق لهذه الجهة لأن المسلمين عندهم تسامح ورحابة صدر وحسن ظن كما علمهم نبيهم، فالشبهة عندهم لا تكون كالشبهة عندنا. ومن طرف آخر فإن حكومة الأتراك لم تكن في المستوى الائق لكشف الجواسيس والعملاء، فقد كانت حكومة آخذة في الضعف والهزال مما يؤمن جانبنا .
وبعد سفرة مضنية وصلت إلى استانة وسميت نفسى (محمدا) وأخذت أحضر المسجد (مكان إجتماع المسلمين لعبادتهم) وراقني النظام والنظافة والطاعة التي وجدتها عندهم، وقلت في نفسى: لماذا نحارب نحن هؤلاء البشر؟ ولماذا نعمل من أجل تمزيقهم وسلب نعمهم؟ هل أوصانا المسيح بذلك؟ لكني رجعت فورا واستنفرت من هذا التفكير الشيطاني، وجددت العزم على أن أشرب إلى آخر الكأس .
وقد التقيت هناك بعالم طاعن في السن أسمه (أحمد أفندم) وكان من طيب النفس ورحابة الصدر وصفاء الضمير وحب الخير، ما لم أجده في أحسن رجال ديننا، وكان الشيخ يحاول ليله ونهاره في أن يتشبّه بالنبي محمد، فكان يجعله المثل الأعلى، وكلما ذكره فاضت عيناه بالدموع. ومن حسن الحظ أنه لم يسألني -حتى مرة واحدة- عن أصلي ونسبي، وإنما كان يخاطبني (محمد أفندى) ويعلمني ما كنت أسئله ويحن عليّ حنوا كبيرا لما عرف أني ضيف في بلادهم جئت لأن أعمل، ولأجل أن أكون في ظل السلطان الذي يمثل النبي محمد، فقد كانت هذه حجتى في البقاء في الاستانة .
وكنت قد قلت للشيخ: أني شاب قد مات أبي وأمي وليس لي إخوة، وتركوا لي شيء من المال ففكرت أن أكتسب وأن أتعلم القرآن والسنة، فجئت إلى مركز الإسلام لأحصل على الدين والدنيا .
فرحب بي الشيخ كثيرا وقال لي ما نصه وقد كتبته بلفظه إن الواجب أن نحترمك لعدة أسباب :
لأنك مسلم والمسلمون أخوة .
ولأنك ضيف وقد قال رسول الله أكرموا الضيف .
ولأنك طالب علم والإسلام يؤكد على إكرام طالب العلم .
لأنك تريد الكسب وقد ورد نص بأن الكاسب حبيب الله .
وقد أعجبت أنا بهذه الأمور أيما إعجاب، وقلت في نفسى يا ليت كانت المسيحية تعى مثل هذه الحقائق النيرة، لكني تعجبت كيف أن الإسلام في هذه الرفعة شمله الضعف والانحطاط على أيدى هؤلاء الحكام المغرورين والعلماء الجهلة بالحياة .
قلت للشيخ: إنني أريد أن أتعلم القرآن المبين، فرحب الشيخ بالطلب وأخذ يعلمني من سورة الحمد ويفسر لي المعاني وقد كنت أجد مشقة في النطق ببعض ألفاظها وأحيانا كانت المشقة منتهاها .
وأذكر أني لم أتعلم النطق بجملة (وعلى أمم ممن معك) إلا بعد تكرارها عشرات المرات في ظرف إسبوع، حيث قال لي الشيخ اللازم عليك الإدغام. وكيفما كان فقد قرأت القرآن عنده في مدة سنتين كاملتين من أوله إلي آخره، وكان إذا أراد تعليمى توضأ وضوء الصلاة وأمرني بالوضوء كما هو ونجلس جهة القبلة .
والجدير بالذكر أن أذكر أن الوضوء عند المسلمين جملة من الاغتسال، فأولا يغسلون الوجه، وثانيا اليد اليمنى من الأصابع إلى المرفق، وثالثا اليد اليسرى من الأصابع إلى المرفق، ورابعا يمسحون الراس وخلف الأذنين والرقبة، وخامسا يغسلون الرجلين .
ويقولون: الأفضل أن يدير الشخص الماء في فمه، وأن يسحب الماء إلى الأعلى في أنفه قبل البدء في الوضوء .
وقد كنت أنزعج انزعاجا كبيرا من المسواك وهى عودة يدخلونها في أفواههم لأجل تنظيف الأسنان قبل الوضوء، فقد كنت أعتقد أن هذه العودة تضر الأسنان والفم، وكانت أحيانا تجرح الفم ويخرج الدم منه، لكني كنت مجبورا، أن أفعل ذلك لأنها عندهم سنة مؤكدة أمر بها نبيهم محمد، وهم يذكرون لها فضائل كثيرة .
لقد كنت أيام إقامتى في (الاستانة) أنام عند خادم المسجد لقاء ما أعطيه من المال وكان إنسانا عصبي المزاج واسمه (مروان أفندى) وهو اسم أحد أصحاب الرسول، وكان الخادم يعتز بهذا الاسم المبارك، وكان يقول لى: إن رزقت ولدا سمه (مروان) لأنه من كبار الشخصيات المجاهدة في الإسلام .
وكنت أتعشى هناك عند الخادم حيث كان يهيىء لى الطعام، وأيام الجمعة وهى عيد المسلمين لم أكن أذهب إلى العمل، أما سائر الأيام فقد كنت أذهب إلى نجار هناك أشتغل عنده لقاء أجر زهيد، كان يدفعه لي أسبوعيا، وحيث كان عملي في فترة الصباح فقط، فقد كان يجرى لي نصف أجور عماله، وكان اسم النجار (خالد)، وكان يثرثر في أوقات فراغه عن فضائل (خالد بن الوليد) الفاتح الإسلامي الذي صحب محمد النبي وأبلى في الإسلام بلاء حسنا، لكنه كان يحز في نفسه – أي النجار - أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب لما تولى الخلافة عزل خالد بن الوليد. وكان خالد صاحب المحل سيىء الأخلاق، عصبي المزاج إلى أبعد حد، وكان يطمئن مني اطمئنانا لم أدر سببه، ولعله وثق بي حيث كنت مطيعا سماعا له، لا أناقشه في شؤونه الدينية ولا في شؤون دكانه. وكان إذا خلا بي طلب مني أن يلوط بي، وكان هذا العمل عندهم من أشد الممنوعات كما قال لى الشيخ أحمد، إلا أن خالدا كان لا يهتم بالشريعة في باطن أمره، وإن كان في ظاهر أمره ملتزما بالتظاهر عند رفاقه بها، و كان يحضر صلاة الجمعة، أما سائر الأيام لا أعلم هل كان يصلي أم لا؟ لكني كنت أمتنع عن إعطائه رغبته، وأظن أنه كان يعمل ذلك مع بعض آخر من عماله، حيث كان أحد العاملين شابا جميلا من (سيلانيك) وكان يهوديا قد أسلم، فكان يصحبه معه أحيانا إلى خلف المحل الذي كان مخزنا لأخشابه، و يتظاهران أنهما يذهبان هناك لإصلاح المخزن، لكني كنت أعلم أنهما يذهبان لقضاء الحاجة .
كنت أتغذى في الدكان، ثم أذهب للصلاة في المسجد ثم أبقى في المسجد إلى وقت العصر، فإذا فرغت من صلاة العصر ذهبت إلى دار الشيخ أحمد وأبقى معه مدة ساعتين أتعلم عنده القرآن، واللغة التركية، واللغة العربية وفي كل جمعة كنت أدفع إليه زكاة ماحصلت عليه في الأسبوع من المال، و في الحقيقة الزكاة كانت رشوة مني له لاستمرار علاقتى به، ولأجل أن يعلمني أفضل تعليم، وكان هو لا يقصر في تعليمى القرآن ومباديء الإسلام ودقائق اللغتين العربية والتركية .
ولما علم الشيخ أحمد أنني أعزب طلب إليّ أن يزوجني إحدى بناته لكني أبيت بحجة أنني (عنين) لا أملك ما يملكه الرجال، ولم أبد له هذا العذر إلا بعد أن أصر وكاد أن ينفصم معه علاقتى، من أجل أنه كان يقول: الزواج سنة الرسول وقد قال الرسول: من رغب عن سنتى فليس مني. وحينذاك لم أجد بدا من أظهار هذا المرض (المكذوب)، فاقتنع الشيخ وعادت العلاقة كما كانت من الود والصفاء .
بعد إتمام سنتين من مكثي في ( الاستانة )، استأذنت العودة إلى وطني ولكن الشيخ لم يأذن قائلا :
لماذا الرجوع؟ إن الاستانة فيها ما تشتهية الأنفس وتلذ الأعين وقد جمع الله فيها بين الدنيا والدين، وأردف، أنك قلت سابقا أنه مات أبوك وأمك وليس لك إخوة فاجعل الاستانة وطنك. ومع أن الشيخ كان يصر عليّ في البقاء لأنسه بي وكنت أنا أيضا أنست به أنسا كبيرا، لكن الواجب الوطني كان يجبرني بالرجوع إلى لندن لتقديم تقرير مفصل عن الأوضاع في عاصمة الخلافة، ولأتزود بأوامر جديدة حول مهمتي .
وقد جرت العادة طيلة مكثى في الاستانة أن أقدم كل شهر تقريرا عن حالي وعن التطورات وعما شاهدته إلى وزارة المستعمرات، وأذكر ذات مرة قدمت تقريرا ضمنته ما أراده معي صاحب المحل من عمل اللواط، فجاء الرد أنه علي أن لا أمانع من ذلك إذا كان في ذلك الفعل تسهيل الوصول إلى الهدف، و لما قرأت الجواب دارت بي الأرض الفضاء، وفكرت كيف لا يستحى رؤسائي من الأمر بمثل هذا العمل الشنيع؟ لكنة لم يكن لي بد من شرب الكأس إلى الثمالة، فبقيت في وضعي دون أن أنبس ببنت شفة .
وفي يوم الوداع مع الشيخ أنهمرت عيناه بالدموع، وودعني قائلا: الله معك يا ولدي وإذا عدت إلى هذا البلد وأنا ميت فأذكرني، وسوف نلتقي عند رسول الله في المحشر. وفي الواقع أني تأثرت تأثيرا بالغا وجرت دموعى حارة لكن الواجب كان فوق العواطف .
كان الرفاق التسعة الآخرون قد تلقوا أوامر من الوزارة لحضورهم إلى لندن كما تلقيت أنا أيضا، ولكن لسوء الحظ لم نرجع إلا ستة فقط. أما الأربعة الآخرون فقد صار أحدهم مسلما وبقى في مصر كما أخبرنا بذلك السكرتير، لكن السكرتير أظهر ارتياحه بأنه لم يفش السر. وألتحق أحدهم بروسيا وقد كان هذا من أصل روسي، وكان السكرتير يبني قلقا شديدا حوله ليس لأنه ألتحق بالوطن الام ولكن من أجل أن السكرتير كان يظن أن الرجل كان جاسوسا للروس في وزارة المستعمرات ولما انتهت مهمته رجع إلى بلاده. وكان الثالث قد مات في مدينة عمارة (بلد في طرف بغداد) على أثر وباء إجتاح البلاد هناك على ما أخبرنا السكرتير بذلك. أما الرابع فلم يعلم أحد عن مصيره إذ راقبته الوزارة حتى وصوله إلى (صنعاء) في اليمن من بلاد العرب، وكانت تقاريره ترسل بانتظام إلى الوزارة فترة سنة، ثم انقطعت بعد ذلك، وكلما حاولت الوزارة الاطلاع على أحواله لم تحصل على شيء. وقد كانت الوزارة تعتبر خسارة كل واحد من العشرة كارثة، حيث كنا نحسب لكل إنسان حسابا دقيقا. فنحن أمة قليلة العدد كبيرة المهام، وفقد كل إنسان من هذا الطراز كان كارثة عندنا .
بعد أن سمع السكرتير أولويات تقاريري، أرسلني إلى مؤتمر عقد لأجل الاستماع إلى تقاريرنا نحن الستة، وقد اجتمع حشد كبير من وزارة المستعمرات برئاسة الوزير نفسة للاستماع لتقاريرنا .
وقدم زملائى تقارير أولية من المهمة التي أوكلت لهم، كما قدمت أنا تقريرا ألتقطت فيه رؤوس الأقلام. واستحسن أعمالي الوزير والسكرتير وبعض الحاضرين، ولكنني لاحظت أني كنت الثالث من حيث جودة العمل، حيث كان الزميلان (جورج بلكود) و(هنرى فانس) في الدرجتين الأولى والثانية من حيث جودة العمل .
كنت قد نجحت نجاحا باهرا في تعلم التركية والعربية والقرآن والشريعة، لكني لم أحرز نجاحا في تقديم تقرير يدل الوزارة على مواقع الضعف في الدولة العثمانية. وبعدما انفضت الجلسة التي دامت ستة ساعات، لفت نظرى السكرتير إلى نقطة الضعف، قلت له أن مهمتى تعلم اللغة والشريعة والقرآن، ولذا لم أبذل وقتا كافيا لغير ذلك، وسوف أكون عند حسن ظنكم في السفرة القادمة أن أوليتم ثقتكم بي. قال السكرتير: لا شك أنك ناجح لكني آمل منك أن تحرز قصب السبق في هذه الحلبة، أن مهمتك يا همفر في السفرة القادمة أمران هي
أولا - أن تجد نقطة الضعف عند المسلمين والتي نتمكن بها من أن ندخل في جسمهم ونبدد أوصالهم ، فإن أساس النجاح على العدو هو هذا .
ثانيا - أن تكون أنت المباشر لهذا الأمر إذا ما وجدت نقطة الضعف، فإن قدرت على المهمة فسوف أطمئن بأنك أنجح العملاء وستستحق وسام الوزارة .
بقيت في لندن مدة ستة أشهر وتزوجت بأبنة عمي (ماري اشواي) التي كانت تكبرني بسنة، فقد كان عمري إذ ذاك اثنين وعشرين سنة بينما كان عمرها ثلاثا وعشرين سنة، وكانت فتاة متوسطة الذكاء، بارعة الجمال وثقافتها عادية، وقضيت أجمل أيام حياتي معها تلك المدة، وحملت مني، وقد كنت أنتظر الضيف الجديد بفارغ الصبر وإذا بالأوامر الصارمة تصدر من الوزارة في أن أتوجه إلى إقليم العراق، البلد العربي الذي استعمرتة الخلافة منذ زمن طويل .
وقد أسفت لهذه الأوامر في وقت كنت أنتظر فيه ولدي، لكن اهتمامي ببلدي وحبي للشهرة بين زملائى كانا يفوقان عواطف الزوجية والولد ولذا لم أتردد في القبول رغم الحاح زوجتى أن أرجىء الأمر إلى ما بعد ولادتها. ويوم فارقتها بكيت أنا وبكيت هى بكاءا مرا، وقالت لى: لا تنقطع عني بالرسائل كما سأخبرك أنا أيضا عبر الرسائل بعشنا الذهبي الجديد. وهذه الكلمة كانت عاصفة على قلبي حتى أني صممت أن ألغي السفرة لكني تملكت عواطفي وودعتها وخرجت إلى الوزارة لأحصل على الإرشادات الأخيرة .
بعد ستة أشهر وجدت نفسى في (البصرة) بالعراق وهو بلد عشائري وأهله مختلط من السنة والشيعة، الجناحين الإسلاميين، كما أنهم مختلطون من العرب و الفرس، وفيهم قلة من المسيحيين .
ولأول مرة في حياتي ألتقي بالشيعة والفرس، ولا بأس أن أذكر شيئا عن الشيعة والسنة، فالشيعة ينتسبون إلى علي بن أبي طالب وهو صهر رسولهم على إبنتة فاطمة، وكان في نفس الوقت ابن عمه. وتقول الشيعة أن رسولهم محمد عين عليا خليفة من بعده، فقال أن عليا وأولاده الأحد عشر خليفة بعد خليفة. وأني أظن أن الحق مع الشيعة في (خلافة علي والحسن والحسين) لأن الثابت من التاريخ الإسلامي حسب مطالعاتي أن عليا كان يمتاز بصفات نفسية عالية تؤهلة للخلافة، ولا استبعد أن يكون الرسول (محمد) قال أن الحسن والحسين إمامان، وهذا لا ينكره أهل السنة أيضا، لكني أشك في نفس الوقت بأن أولاد الحسين التسعة أيضا عينهم الرسول محمد خلفاء له إذ كيف يعلم المستقبل؟ لأنه قد مات والحسين طفل، فكيف يعلم بأنه سيكون للحسين أولاد ويكونون متسلسلين إلى تسعة؟ نعم لو كان محمد رسولا حقا لكان من الممكن أن يعلم كل ذلك بإرشاد من الله كما كان المسيح يخبر بالمستقبل، لكن نبوة محمد مشكوكة فيها عندنا نحن المسيحيون .
إن المسلمين يقولون بأن القرآن دليل نبوة محمد لكني قرأت القرآن ولم أجد فيه دليلا. أنه لاشك كتاب رفيع بل هو أرفع مستوى من التوراة والانجيل، ففيه دساتير وأنظمة وأخلاقيات وغير هذه، لكن هل هذا وحده كفيل بالدلالة على صدق محمد؟
إنني متحير في أمر محمد أشد الحيرة، أن رجلا بدويا لا يقرأ ولا يكتب كيف يمكنه أن يأتي بهذا الكتاب الرفيع، وشخصا ذا خلق وذكاء لم يعهد مثلهما في أي عربي دارس فكيف بالعربي البدوي الذي لم يقرأ ولم يكتب؟ هذا من جانب، ومن جانب آخر فهل يكفي مثل ذلك للتدليل على نبوته؟
لقد كنت دائم التطلع لكى أتعرف على هذه الحقيقة وطرحت ذات مرة هذا الموضوع على أحد القساوسة في لندن، لكنه لم يأتي بجواب مقنع وإنما تكلم عن تعصب وعناد، كما أني مرات فتحت هذا البحث مع الشيخ احمد في تركيا فلم يأتي بجواب مقنع لي، لكني من الحق أن أقول أني لم أقدر أن اتكلم مع الشيخ بصراحة خوفا من أن ينكشف أمرى أو يشك بي
وعلى أي حال فأنني أقدر محمدا تقديرا كبيرا، أنه لا شك كان من طراز أنبياء الله الذين نقرأ عنهم في الكتب، لكني غير مقتنع بنبوته إلى الآن، ولو فرضنا أنه لم يكن نبيا، لكن من المستحيل أن يعتقد الإنسان الذي يحترم ضميره أنه مثل سائر العباقرة، أنه لا شك فوق العباقرة، وأرفع من الأذكياء. أما أهل السنة فأنهم يقولون بأن المسلمين رؤوا - بعد الرسول - أن أبا بكر ثم عمر ثم عثمان أصلح للخلافة من علي، ولذلك تركو أمر الرسول (محمد)، واتخذوا هؤلاء خلفاء للرسول .
إن مثل هذا النزاع موجود في كل دين، وموجود في المسيحية بصورة خاصة لكني لا أعلم ما هو المبرر لبقاء هذا النزاع، فقد مات عمر و علي، وعلى المسلمين أن يكونوا عقلاء وأن يفكروا في هذا اليوم لا في الماضي السحيق
ذات مرة ذكرت لبعض رؤسائي في الوزارة اختلاف السنة والشيعة وقلت لهم أنهم لو كانو يفهمون الحياة لتركوا النزاع ووحدوا كلمتهم. فنهرني الرئيس قائلا الواجب عليك أن تزيد الشقة لا أن تحاول جمع كلمة المسلمين. وبهذه المناسبة أن السكرتير قال لي في إحدى الجلسات التي اجتمعت معه قبل سفرى إلى العراق: أعلم يا همفر أن هناك نزاعات طبيعية بين البشر منذ أن خلق الله (هابيل وقابيل) وستبقى هذه النزاعات إلى أن يعود المسيح :
فمن النزاعات لونية
ومن النزاعات قبلية
ومن النزاعات إقليمية
ومن النزاعات قومية
ومن النزاعات دينية
ومهمتك في هذه السفرة أن تتعرف على هذه النزاعات بين المسلمين وتعرف البركان المستعد للإنفجار منها، وتزود الوزارة بالمعلومات الدقيقة حول ذلك، وإن تمكنت من تفجير النزاع كنت في قمة الخدمة لبريطانيا العظمى. فإننا نحن البريطانيون لا يمكننا العيش في الرفاة إلا بإلقاء الفتن والنزاع في كافة المستعمرات، كما أننا لا يمكننا تحطيم السلطان العثماني إلا بإلقاء الفتن بين رعاياها، وإلا كيف تتمكن أمة قليلة العدد من أن تسيطر على أمة كبيرة العدد؟ فاجتهد بكل قواك كى تجد الثغرة و أن تدخل من الثغرة، وليكن في علمك أن سلطة الترك وسلطة الفرس قد ضعفتا فليس عليك الا أن تثير الشعوب على حكامها كما ثارت الثوار في كل التاريخ ضد الحكام، فاذا انشقت كلمتهم و تفرقت قواهم، ضمنا استعمارهم من أسهل طريق .
لما وصلت إلى البصرة ذهبت لتوي إلى أحد المساجد وكان المسجد لعالم من أهل السنة عربي الأصل واسمه (أحمد الطائي) فتعرفت عليه وتلاطفت معه، لكن الرجل شك بي من أول لحظة وأخذ يحقق عن أصلي ونسبي وسائر خصوصياتي، وأظن أن لوني ولهجتي هما قادا الشيخ إلى الشك لكني تمكنت من الخروج من المازق بأني من أهالي (أغدير) في تركيا، وأني تلميذ الشيخ احمد في الاستانة، وكنت نجارا في محل خالد …وإلى ما هنالك من المعلومات التي حصلتها أثناء إقامتي في تركيا. وانتبهت أن الشيخ أشار بعينه إلى أحد الحاضرين مستفسرا منه هل أني أتكلم التركية صحيح ام لا؟ وأشار المسؤول عنه بالإيجاب، وفرحت إذ تمكنت من جلب قلب الشيخ، فقد علمت بعد أيام أن الشيخ كان ينظر لي بنظرة الريبة، ويظنني جاسوسا لتركيا، حيث تبين لي فيما بعد أن للشيخ عمر خلاف مع الوالى المعين من قبل السلطات، وبينهما تبادل إتهامات وسوء الظن، وعلى كل لم أجد بدا من أن أنسحب عن مسجد الشيخ عمر إلى خان كان محل الغرباء والمسافرين، وقد استاجرت غرفة في الخان، وكان صاحب الخان رجل أحمق يسلب راحتي كل صباح، فقد كان يأتي كل صباح إلى باب الغرفة ويطرقه بعنف لأقوم لصلاة الصبح، وكنت أنا مجبورا لمسايرته فكنت أقوم وأصلي صلاة الصبح، ثم يأمرني بقراءة القرآن إلى طلوع الشمس، ولما قلت له أن قراءة القرآن ليست واجبة فلماذا هذا الأصرار قال: بأن من ينام في هذا الوقت يجلب الفقر والنكبة للخان ولأهل الخان. وحيث لم يكن لى بد من إجابته إذ هددني بالطرد إن لم أعمل بما يقول، صرت مجبورا على أن أصلي أول الأذان ثم اتلوا القرآن أكثر من ساعة كل يوم. ولم تكن المشكلة لتنتهى إلى هذا الحد فلقد جاءني صاحب الخان و اسمه (مرشد افندم) ذات يوم وقال: أنك منذ أن استأجرت مني الغرفة ابتليت أنا بالمشاكل ولا أراها إلا من طالعك، وقد فكرت في أن سبب ذلك أنك أعزب والعزب شؤم، فإما أن تتزوج وإما أن تخرج من الخان. قلت أني لا أملك المال لأتزوج (وخشيت أن أقول له أني عنين) حيث لم أكن استبعد أنه سيرغب برؤية عورتى وهل أنا صادق أم لا؟ إذا اعتذرت بهذا العذر فإن مرشد افندم من هذا الطراز. قال لي الافندم: يا ضعيف الإيمان ألم تقرأ قول الله تعإلى (ان يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله)؟ فوقعت في حيرة من أمري ماذا أفعل؟ وبماذا أجيبه؟ قلت له حسنا كيف أتزوج من غير مال؟ وهل أنت مستعد أن تقرضني المال الكافي أو أن تجد لى زوجة بلا مهر؟
فكر الافندم قليلا ثم رفع رأسه فقال: أني لا أفهم كلامك وأخيرك بين أن تتزوج إلى أول شهر رجب المرجب أو أن تخرج من الخان. وكان لم يبق إلى أول شهر رجب إلا خمسة وعشرون يوما حيث كنا في الخامس من شهر جمادى الثانية. وبالمناسبة فإن أسماء الأشهر الإسلامية بهذا التسلسل (محرم، صفر، ربيع الأول، ربيع الثاني، جمادى الأول، جمادى الثاني، رجب، شعبان، رمضان، شوال، ذو القعدة، ذو الحجة)، وأشهرهم حسب رؤية الهلال ولا تزيد أيامها عن ثلاثين يوما، ولا تنقص عن (29) يوما. وأخيرا رضخت لأمر الافندم ووجدت مكانا عند نجار تعاقدت معه أن أعمل عنده بأجرة زهيدة ويكون أكلي ونومي أيضا عنده، وقبل أن ينتهي الشهر خرجت من الخان لألقي رحلي في دكان النجار وكان رجلا شهما شريفا عاملني كأحد أولاده وكان اسمه (عبد الرضا) وكان شيعيا فارسيا من أهالي (خراسان)، وقد انتهزت فرصة وجودي عنده أن أتعلم منة اللغة الفارسية، وكانت الشيعة العجم يجتمعون عنده كل عصر ويتكلمون بكل اقسام الكلام من سياسة إلى إقتصاد، وكانوا يتهجمون على حكومتهم كثيرا كما يتهجمون على الخليفة في الاستانة، أما إذا جاء زبون لا يعرفونه انقطعوا عن الكلام وأخذوا يتكلمون في قضاياهم الشخصية، وأني لا أعلم كيف وثقوا بي كل هذه الثقة، لكني علمت أخيرا أنهم ظنوا أني من أهالي (أذربيجان) حيث علموا أني أعرف اللغة التركية، وساعدهم على هذا الظن لوني المائل إلى البياض، اللون الغالب على أهالي (أذربيجان)، وهنا على هذا الحال تعرفت على شاب كان يتردد على هذا الدكان يعرف اللغات الثلاث التركية والفارسية والعربية، وكان في زى طلبة العلوم الدينية ويسمى (محمد عبد الوهاب)، وكان شابا طموحا للغاية عصبي المزاج، ناقما على الحكومة العثمانية. وكان سبب صداقته مع صاحب المحل (عبد الرضا) هو أن الاثنين كانا ناقمين على الخليفة، وأني لا أعلم من أين كان هذا الشاب يعرف اللغة الفارسية مع أنه كان من أهل السنة وكيف صادق مع (عبد الرضا) الشيعي؟ إن كل الأمرين لم يكونا غريبين، ففي البصرة يلتقى السني بالشيعي كأنهما أخوة كما يعرف الكثير من القاطنين في البصرة اللغتين الفارسية والعربية، وأن كثيرا منهم يعرف أيضا اللغة التركية القسم الثاني
كان الشاب الطموح (محمد) يقلد نفسه في فهم القرآن والسنة، ويضرب بآراء المشايخ. ليس مشايخ زمانه والمذاهب الأربعة فحسب، بل بآراء أبي بكر وعمر أيضا بعرض الحائط. إذا هو فهم من الكتاب على خلاف ما فهموه الآخرين، وكان يقول أن الرسول قال أني مخلف فيكم الكتاب والسنة، ولم يقل أني مخلف فيكم الكتاب والسنة والصحابة والمذاهب، ولذا فالواجب الكتاب والسنة مهما كانت أراء المذاهب والصحابة والمشايخ مخالفة لذلك. وقد جرى يوما حوار بين (محمد عبدالوهاب) وبين أحد علماء فارس اسمه الشيخ (جواد القمي) الذي كان ضيفا عند (عبد الرضا) على مائدة الطعام التي ضيفنا عليها عبد الرضا في داره، وكان يحضر بعض أصدقاء صاحب البيت، فجرى بين محمد والشيخ جواد القمي حوار عنيف لم أحفظه كله، وإنما حفظت مقتطفات منه .
قال له القمي: إذا كنت أنت متحررا ومجتهدا كما تدعي فلماذا لا تتبع عليا كالشيعة؟
قال محمد: لأن عليا مثل عمر وغيره ليس قوله حجة، وإنما الحجة الكتاب والسنة فقط
قال القمي: ألم يقل الرسول (أنا مدينة العلم وعلي بابها) إذا ففرق بين علي وباقي الصحابة
قال محمد: إذا كان قول علي حجة فلماذا لم يقل الرسول (كتاب الله وعلي بن أبي طالب)؟
قال القمي: بل قال حيث قال (كتاب الله وعترتي أهل بيتي)، وعلي سيد العترة
أنكر محمد عبدالوهاب أن يكون الرسول قال ذلك، لكن الشيخ القمي جاء بأدلة مقنعة حتى سكت محمد ولم يجد جوابا. لكن محمد أعترض عليه وقال: إذا قال الرسول كتاب الله وعترتي فأين سنة الرسول؟
قال القمي: سنة الرسول هى شرح لكتاب الله، فلما قال الرسول كتاب الله وعترتي أراد كتاب الله بشرحه الذي هو السنة
قال محمد: أليس كلام العترة شرحا لكتاب الله؟ فما الحاجة إليهم؟
قال القمي: لما مات الرسول إحتاج الأمة إلى شرح القرآن شرحا يطابق حاجيات الزمن، ولذا فالرسول أرجع الأمة إلى الكتاب كأصل وإلى العترة كشرح له فيما يتجدد من حاجات الزمن
لقد أعجبت أنا بهذا البحث أيما أعجاب، ورأيت إنما محمدا الشاب أمام القمي كالعصفور في يد الصياد لا يتمكن تحركا
ووجدت في (محمد عبدالوهاب) ضالتي المنشودة، فإن تحرره وطموحه من مشايخ عصره، ورأيه المستقل الذي لا يهتم حتى بالخلفاء الأربعة أمام ما يفهمه هو من القرآن و السنة، كان أكبر نقاط الضعف التي كنت اتمكن أن أتسلل منها إلى نفسه، وأين هذا الشاب المغرور من ذاك الشيخ التركي الذي درست عنده في تركيا؟ فإنه كان مثال السلف كالجبل لا يحركه شيء. إنه كان إذا أراد أن يأتي باسم أبي حنيفة (كان الشيخ حنفي المذهب) قام وتوضأ ثم ذكر اسم أبي حنيفة، وإذا أراد أن يأخذ كتاب البخاري – و هو كتاب عظيم عند أهل السنة يقدسونه أيما تقديس – قام وتوضأ ثم أخذ الكتاب. أما الشيخ محمد عبد الوهاب فكان يزدري بأبي حنيفة أيما إزدراء. وكان يقول عن نفسه أني أكثر فهما من أبي حنيفة، وكان يقول أن نصف كتاب البخاري باطل .
لقد عقدت بيني وبين محمد أقوى الصلات والروابط، وكنت أنفخ فيه باستمرار وأبين له أنه أكثر موهبة من (علي وعمر) وأن الرسول لو كان حاضرا لأختارك خليفة له دونهما. وكنت أقول له دائما آمل في تجديد الإسلام على يديك فإنك المنقذ الوحيد الذي يرجى به أنتشال الإسلام من هذه المسقطة .
قررت مع محمد أن نناقش تفسير القرآن على ضوء أفكارنا الخاصة لا على ضوء فهم الصحابة والمذاهب والمشايخ، وكنا نقرأ القرآن ونتكلم عن نقاط منها. كنت أقصد منها ايقاع محمد في الفخ، وكان هو يسترسل في قبول أفكاري ليظهر نفسه بمظهر المتحرر، وليجلب ثقتي أكثر فأكثر. قلت له ذات مرة: الجهاد ليس واجبا، قال: كيف وقد قال الله (جاهد الكفار)؟ قلت له يقول (جاهد الكفار والمنافقين)، فإذا كان الجهاد واجبا فلماذا لم يجاهد الرسول المنافقين؟ قال محمد: جاهدهم الرسول بلسانه. قلت: إذا فجهاد الكفار أيضا واجبا باللسان. قال: لكن الرسول حارب الكفار. قلت: حرب الرسول كان دفاعا عن النفس حيث أن الكفار أرادوا قتل الرسول فدفعهم. فهز محمد رأسه علامة الرضا
وقلت له ذات مرة أن متعة النساء جائزة
قال: كلا
قلت: فالله يقول فما استمتعتم به منهن فأتوهن أجورهن
قال: عمر حرم المتعة قائلا: متعتان كانتا على عهد رسول الله و أنا أحرمهما وأعاقب عليهما
قلت: أنت تقول أنا أعلم من عمر فلماذا تتبع عمر؟ ثم إذا قال عمر أنه حرمها وأن الرسول حللها فلماذا تترك رأي القرآن ورأي الرسول وتأخذ برأي عمر؟ فسكت، ولما وجدت سكوته دليل الإقتناع، وقد أثرت فيه الغريزة الجنسية (ولم تكن له إذ ذاك زوجة)، قلت له: ألا نتحرر أنا وأنت ونتخذ (متعة) نستمتع بها؟ فهز رأسه علامة الرضا، وقد اغتنمت أنا هذا الرضا أكبر اغتنام، وقررت موعدا لآتي بامرأة ليتمتع بها، من أجل أن أكسر خوفه من مخالفة الناس. لكنه اشترط على أن يكون الأمر سرا بيني وبينه وأن لا أخبر المرأة باسمه. فذهبت فورا إلى بعض النساء المسيحيات اللاتي كن مجندات من قبل وزارة المستعمرات لافساد الشباب المسلم، ونقلت لها كامل القصة، وجعلت لها أسم (صفية) وفي يوم الموعد ذهبت بالشيخ محمد إلى دارها، وكانت الدار خالية إلا منها، فقرأنا أنا والشيخ صيغة العقد مدة أسبوع، وأمهرها الشيخ نقدا ذهبا، فأخذت أنا من الخارج وصفية من الداخل نتراوح على توجيه الشيخ محمد عبد الوهاب. وبعدما أخذت صفية من الشيخ كل مأخذ، وتذوق محمد حلاوة مخالفة أوامر الشريعة تحت غطاء الاجتهاد والاستقلال في الرأي والحرية، في اليوم الثالث من المتعة أجريت مع محمد حوارا طويلا عن (عدم تحريم الخمر)، واستدليت بآيات القرآنية وأحاديث زيفتها وقلت له لقد صح أن معاوية ويزيد وخلفاء بني أمية وخلفاء بني العباس كانوا يتعاطون الخمر فهل من الممكن أن يكون كل أولئك على ضلال وأنت على صواب؟ أنهم لا شك كانوا أفهم لكتاب الله وسنة الرسول مما يدل على أنهم لم يفهموا التحريم وإنما فهموا الكراهة والإعافة، وفي الاسفار المقدسة لليهود والنصارى إباحة الخمر، فهل يعقل أن يكون الخمر حراما في دين وحلالا في دين؟ والأديان كلها من إله واحد؟ ثم أن الرواة رووا أن عمر شرب الخمر حتى نزلت الاية (فهل أنتم منتهون) ولو كانت الخمرة حراما لعاقبه الرسول. فعدم عقاب الرسول دليل الحلية
أخذ يسمعني محمد بكل قلبه، ثم تنهد وقال: بل تثبت في بعض الاخبار أن عمر يكسر الخمر في الماء و يشربها، ويقول أن سكرها حرام، لا إن لم تكن تسكر. ثم أردف محمد قائلا: وكان عمر صحيح الفهم في ذلك لأن القرآن يقول (إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة)، فإذا لم تسكر الخمر لم تفعل هذه الأمور التي ذكرت في الآية وعليه فلا نهى عن الخمر، إذا لم تكن مسكرة
أخبرت (صفية) بما جرى، وأكدت عليها أن تسقي محمد في هذه المرة الخمرة مغلفة ففعلت وأخبرتني أن الشيخ شرب حتى الثمالة وعربد وجامعها عدة مرات في تلك الليلة، وقد رأيت أنا آثار الضعف والنحول عليه غداة تلك الليلة. وهكذا استوليت أنا وصفية على الشيخ محمد إستيلاءا كاملا. ويا لها من روعة تلك الكلمة الذهبية، قالها لى وزير المستعمرات حين ودعته (انا إسترجعنا إسبانيا من الكفار (يقصد المسلمين) بالخمر والبغاء، فلنحاول أن نسترجع سائر بلادنا بهاتين القوتين العظيمتين
ذات مرة تكلمت مع الشيخ محمد عن الصوم وقلت له: إن القرآن يقول (وأن تصوموا خير لكم) ولم يقل أنه واجب عليكم، فالصوم بنظر الإسلام مندوب وليس واجب، لكنه قاوم الفكرة وقال لي :
يا محمد تريد أن تخرجني من ديني؟ قلت له: يا وهاب أن الدين هو صفاء القلب و سلامة الروح وعدم الاعتداء على الآخرين، ألم يقل النبي (الدين الحب)؟ وألم يقل الله في القرآن الحكيم (واعبد ربك حتى يأتيك اليقين)؟ فإذا حصل للإنسان اليقين بالله واليوم الآخر، وكان طيب القلب نظيف العمل كان من أفضل الناس. لكنه هز رأسه علامة النفي وعدم الارتياح. ومرة اخرى قلت له :
الصلاة ليست واجبة. قال: وكيف؟ قلت: لأن في القرآن يقول الله (وأقم الصلاة لذكري) فالمقصود من الصلاة ذكر الله تعالى، فلك أن تذكر الله تعالى عوضا عن الصلاة. قال محمد: نعم سمعت أن بعض العلماء كانوا يذكرون الله تعالى في أوقات الصلاة عوضا عن الصلاة. ففرحت لكلامه أيما فرح، وأخذت أنفخ بهذا الرأى حتى ظننت أني استوليت على لبه، وبعد ذلك وجدته لا يهتم لأمر الصلاة، فأحيانا يصلي وأحيانا لا يصلي خصوصا في الصباح، فإنه كان يترك الصلاة غالبا، حيث كنت أسهر معه إلى بعد منتصف الليل غالبا فكان منهوك القوى عند الصباح فلا يقوم للصلاة. وهكذا أخذت أسحب رداء الإيمان من عاتق الشيخ شيئا فشيئا. وأردت ذات مرة أن أناقش حول الرسول لكنه صمد في وجهى صمودا كبيرا، و قال لى: إن تكلمت بعد ذلك حول هذا الموضوع قطعت علاقتى بك. وخشيت أن ينهار كل ما بنيته، من أجل ذلك أحجمت عن الكلام، لكن أخذت في إذكاء روحه في أن يكون لنفسه طريقا ثالثا غير السنة والشيعة، وكان يستجيب لهذا الأيحاء كل استجابة، لأنه يملئ غروره وتحرره. وبفضل (صفية) التي دامت علاقتها معه بعد الأسبوع أيضا في متعات متعددة تمكنا بالأخذ بقيادة الشيخ محمد كاملا. وذات مرة قلت للشيخ :
هل صحيح أن النبي آخى بين الصحابة؟ قال: نعم. قلت: هل أحكام الإسلام وقتية أم دائمة؟ قال محمد: بل دائمة لأن الرسول يقول (حلال محمد حلال إلى يوم القيامة وحرام محمد حرام إلى يوم القيامة). قلت: إذا فالنواخي أنا وأنت. ومنذ ذلك الحين كنت أتبعه في كل سفر وحضر، وكنت أهتم لأن تأتي الشجرة التي غرستها ثمارها التي صرفت لأجلها أثمن أوقات شبابي. وكنت أكتب بالنتائج إلى وزارة المستعمرات كل شهر مرة. كما كانت عادتى منذ أن خرجت من لندن وكان الجواب يأتي بالتشجيع الكافي، فكنت أنا ومحمد نسير بالطريق الذي رسمناه بخطي سريعة، ولم أكن أفارقه لا في السفر ولا في الحضر، وكانت مهمتى أن أنمي فيه روح الاستقلال والحرية، وحالة التشكيك، وكنت أبشره دائما بمستقبل باهر وأمدح فيه روحه الوقادة ونفسه النفاذه. ولفقت له ذات مرة (حلما) فقلت له أني رأيت البارحة في المنام رسول الله – وصفته بما كنت سمعته من خطباء المنابر – جالسا على كرسى وحوله جماعة من العلماء لم أعرف أحدا منهم وإذا بي أراك قد دخلت ووجهك يشرق نورا فلما وصلت إلى الرسول قام الرسول إجلالا وقبّل بين عينيك وقال لك: يا محمد أنت سمييّ ووارث علمي والقائم مقامي في إدارة شؤون الدين والدنيا (فقلت أنت) يا رسول الله إني أخاف أن أظهر علمي على الناس؟ قال رسول الله لك: لا تخف إنك أنت الأعلى .
فلما سمع محمد مني هذا المنام كاد أن يطير فرحا ، وسألني مكررا هل أنت صادق في رؤياك؟
وكلما سأل أجبته بالإيجاب حتى أطمئن، وأظن أنه صمم من ذلك اليوم على إظهار أمره
في هذه الأيام جائتني الأوامر من لندن أنه عليّ أن أتوجه إلى (كربلاء) و(النجف) مهوى قلوب الشيعة ومركز علمهم وروحانيتهم، ولهذين البلدين قصة طويلة. أما قصة (النجف) فإنها تبتدأ من يوم دفن فيها (علي) رابع الخلفاء عند أهل السنة، أول الخلفاء عند الشيعة. إن مدينة تبعد عن النجف فرسخ - أي مسيرة ساعة بالرجل – تسمى (الكوفة) كانت مقر خلافة علي، فلما قُتل علي دفنه ولداه (الحسن والحسين) خارج الكوفة في هذا المكان الذي يسمى الآن (بالنجف) ثم أخذت النجف تزدهر بينما أخذت الكوفة بالخراب، واجتمع عدد من علماء الشيعة وصارت فيها بيوت وأسواق ومدارس. وهى الآن مركز علماء الشيعة والخليفة في الاستانة يحميهم ويحترم جانبهم لعدة أمور
أولا - إن حكومة الشيعة في فارس تساندهم وإذا مس الخليفة كرامتهم توترت العلاقات بين الحكومتين، وأحيانا تصل إلى حد الحرب
ثانيا - إن عشائر كثيرة حول النجف تساند العلماء وهى مسلحة، وسلاحهم وإن كان ليس على المستوى الرفيع، ولا تنظيم لهم إلا التنظيم العشائرى، لكن يعني منازلة الخلافة، فتتدخل مع تلك العشائر في معارك دامية، وحيث لا ضرورة قصوى تلجىء الحكومة إلى كبح جماح العلماء تذرهم و شأنهم
ثالثا - إن أولئك العلماء مراجع لكل المسلمين الشيعة في العالم من (هند) و(أفريقيا) وغيرها، فإذا مست الحكومة كرامتهم هاجت الشيعة في كل مكان. (وأما قصة كربلاء) فإنها تبتدأ منذ قُتل فيها سبط رسول الله (الحسين ابن علي وابن فاطمة بنت الرسول)، فقد دعا أهل العراق الحسين ليأتيهم من (المدينة - الحجاز) ليتخذوه خليفة، لكنه لما وصل هو وأهل بيته إلى أرض كربلاء التي تبتعد عن الكوفة قرابة اثنى عشر فرسخا، قلّب أهل العراق عليه الأمر، وخرجوا لقتاله بأمر من يزيد بن معاوية - الخليفة الأموي القاطن في الشام - فقاتل الحسين ابن علي مع أهل بيته الجيش الأموي الكثيف العدد قتال الأبطال حتى قُتل هو وأهل بيته، وقد أبدى الجيش الأموي في هذه المعركة كل نذالة وسفالة، ومنذ ذلك الحين أتخذ أهل الشيعة هذا المكان مركزا روحيا يأتونه من كل مكان، ويزدحمون فيه إزدحاما ليس عندنا في الروحانية المسيحية له مثيل
هذه المدينة - كربلاء - أيضا مدينة شيعية وفيها علماء الشيعة ومدارسهم، وهى والنجف تسند إحداهما الأخرى، ولما وصلتني الأوامر للذهاب إلى هاتين المدينتين قطعت الطريق من البصرة إلى بغداد مركز الوالي المنصوب من قبل الخليفة في الاستانة، ومن هناك ذهبت إلى (الحله) وهى مدينة تقع على شط الفرات، والفرات ودجلة نهران كبيران يخترقان العراق من تركيا ويصبان في البحر، ويعود الفضل في زراعة العراق ورفاهها إلى هذين النهرين. وقد اقترحت أنا على وزارة المستعمرات بعد عودتي إلى لندن أن تخطط لوضع اليد على مصب هذين النهرين لنتمكن من إخضاع العراق في حالة الطوارىء، فإنه لو انقطع الماء عن العراق، لابد وأن يخضع أهلها لمطالب الوزارة. ومن الحله ذهبت إلى النجف في زى تاجر من تجار (أذربيجان)، والتقيت برجال الدين وأخذت أراودهم وأحضر مجالسهم وأعجبت بهم أيما أعجاب لصفاء روحهم، وغزارة علمهم وشدة تقواهم. لكني وجدتهم قد مر عليهم الزمن ولا يفكرون في تجديد أمرهم .
فقد كانوا على شدة عدائهم للسلطة في تركيا (لا لأنهم شيعة وهى سنية) بل لضغط السلطة على حرياتهم ضغطا كبيرا لا يفكرون في منازلتها وفي التخلص منها
كما أنهم كانوا قد حصروا أنفسهم في علوم الدين مثل قساوستنا في عصر الجمود، وقد تركوا علوم الدنيا إلا بمقدار قليل
كذلك وجدتهم لا يفكرون في ما يجرى حولهم في العالم
وقد قلت في نفسي مساكين هؤلاء، فإنهم في سبات عميق حيث الدنيا في يقظة، وسياتي يوم يجرفهم السيل، وقد حاولت مرار استنهاضهم لمحاربة الخلافة فلم أجد فيهم أذنا صاغية. كان بعضهم يسخر مني وكأني أقول له أهدم الكون، فقد كانوا ينظرون إلى الخلافة كأنها مارد لا يمكن أن يقصر إلا إذا ظهر (ولي الأمر). وولي الأمر عندهم هو إمامهم الثاني عشر من ذرية الرسول، غاب عن الابصار عام255 هجرى، أي بعد ظهور رسولهم (255) سنة، وهو حي إلى اليوم، ثم يظهر لعالم ليملىء عدلا بعد أن مليء جورا. وإني أتعجب كيف يعتقد أناس أفاضل بهذه العقيدة الخرافية. إنها مثل عقيدة الخرافيين من المسيحيين بأنه سيعود المسيح من عليائه ليملىء الدنيا عدلا
قلت لأحدهم: أليس الواجب أن تغيروا الظلم كما غير رسول الإسلام؟
قال: الرسول كان يسنده الله ولذا تمكن
قلت: في القرآن الحكيم (إن تنصروا الله ينصركم) فأنتم أيضا يسندكم الله إن قمتم بالسيف في وجه طغيان الخليفة
قال: أنت تاجر وهذه المواضيع علمية يقصر فهمك عن ملاحقتها
أما مرقد الامام أمير المؤمنين كما يسمونه فهو مرقد جميل مزخرف بأنواع الزخرفة الجميلة، وله حرم جميل و عليه قبة ذهبية كبيرة، ومنارتان ضخمتان ذهبيتان، وأهل الشيعة يدخلونه كل يوم زرافات زرافات ويقيمون الصلاة بهيئة إجتماعية، ويقبلون ضريحه الذي أُلحد فيه، وينحني كل واحد إلى عتبته يُقبلها ثم يسلم على الامام، ويستأذن في الدخول فيدخل. ويحيط بالحرم صحن كبير فيه غرف كثيرة هى ماوى رجال الدين والزوار. وفي كربلاء حرمان على طراز حرم علي، الأول حرم الحسين، والثاني حرم العباس، وهو أخ للحسين قُتل معه في كربلاء. وتفعل الشيعة في كربلاء مثل ما تفعل في النجف، وكربلاء أحسن مناخا من النجف حيث يحيط بالبلد طوق كبير وكثيف من البساتين وفيها أنهار جارية
في سفرتي إلى العراق وجدت ما يثلج الصدر، فقد كانت الأوضاع العامة والخاصة تنذر بنهاية الحكم. فالوالي من قبل الاستانة رجل مستبد جاهل يحكم بما يشاء، وكأن الناس عبيد وإماء له، والشعب بصورة عامة غير راض عنه. أما أهل الشيعة فإن الحكومة تضغط على حرياتهم ولا تعير لهم أهمية، وأما أهل السنة فإنهم يأنفون أن يحكمهم رجل تركي وفيهم الأشراف والسادة من آل الرسول الذين يرون بأنهم أحق بالحكم من الوالي التركي. والبلاد خراب يعيش الناس فيها في قذارة ووساخة وخرائب. والطرق غير مأمونة، فعصابات اللصوص يترصدون القوافل فينقضوا عليهم إذا لم تكن معهم مفرزة من الشرطة، ولذا فإن القوافل لا تتحرك إلا بعد أن تصحبهم الحكومة بالشرطة المدججين بالسلاح. والمخاصمات بين العشائر قائمة على قدم وساق، فلا يمر يوم إلا وعشيرة تنقض على عشيرة أخرى، ويكون بينهما القتل والسلب. والجهل والأمية متفشية بصورة مدهشة، تذكرني بأيام استيلاء الكنيسة على بلادنا، فباستثناء طبقة رجال الدين في النجف و كربلاء وقلة مرتبطة بهم، لا تجد قاريء ولا كاتب واحد في كل ألف إنسان. والاقتصاد منهار، فعيش الناس في فاقة شديدة وفقر مدقع. والنظام غير مستتب، فالفوضى هى التي تسود كل شيء وتنظر الحكومة والناس كل إلى الآخر بنظرة الريبة والشك، لذا لا تعاون بينهما. ورجال الدين غارقون في الأمور الدينية، عازفين عن الحياة الدنيا. والصحاري لا زراعة فيها، ويمر النهران (دجلة والفرات) عبر أراضيهم وكأنهما ضيف عليهم حتى يصبان في البحر، وإلى غير ذلك من الأوضاع المتردية الفاسدة التي تنتظر الإنقاذ
بقيت في كربلاء والنجف مدة أربعة أشهر وقد مرضت في النجف مرضا حادا حتى يأست من نفسى، ودام معي المرض مدة ثلاثة أسابيع، وراجعت طبيبا كان هناك، ووصف لي بعض الأدوية، فلما شربتها أحسست بتحسن صحتى، وكان الفصل صيفا شديد الحر، فكنت أعتكفت أيام مرضى في مكان تحت الأرض يسمى (السرداب)، وكان صاحب البيت الذي استأجرت منه غرفة يباشر في هذه المدة مهمة صنع الطعام والدواء لي لقاء أجر بسيط. وكان يعتبر مدة خدمتى أفضل قربة إلى الله تعالى، حيث أنه يخدم زائرا لأمير المؤمنين. وكان أكلي فقط في الأيام الأولى ماء طير يسمونه (الدجاجة)، ثم سمح لي الطبيب بأكل لحمة أيضا. وفي الأسبوع الثالث أباح لي أن آكل الأرز بالدجاج. بعد أن تعافيت من المرض ذهبت إلى بغداد، وهناك كتبت تقريرا مفصلا عن مشاهداتى في النجف و كربلاء و الحله وبغداد والطريق في تقرير مسهب إستوعب مائة صفحة، وسلمت التقرير إلى ممثل الوزارة في بغداد، وبقيت بانتظار أوامر الوزارة هل أبقى في العراق أم أعود إلى لندن
وقد كنت شديد الشوق للعودة إلى لندن، لأن الغربة طالت والحنين للبلد والأهل قد إشتد، خصوصا وقد كنت متشوقا كثيرا إلى لقاء ولدي (رسبوئين) الذي فتح العين على الفور في غيابي، ولذا فإني قد طلبت من الوزارة مع التقرير الذي بعثته إليها أن يسمحوا لي بالعودة ولو لأجل محدود، لأروي لهم انطباعاتي شفويا، ولكي آخذ قسما من الراحة والاستجمام، فقد طال سفري إلى العراق مدة ثلاث سنوات
قال لي ممثل الوزارة في بغداد أن لا أتردد عليه، وأن أستأجر غرفة في إحدى الخانات المطلة على نهر دجلة لكيلا تثار حولي شبهة، وقال أنه (أي الممثل) سوف يخبرني بالجواب حينما يأتي البريد من لندن. وكنت في أيام إقامتي في بغداد رأيت البون الشاسع بين عاصمة الخلافة وبين بغداد، وكيف أن الأتراك يتعمدون إذلال أهالي العراق لأنهم عرب لا يؤمن مكرهم
كنت أيام مغادرتى البصرة إلى كربلاء والنجف قلقا أشد القلق على مصير (الشيخ محمد عبد الوهاب)، حيث كنت لا آمن الانحراف عن الطريقة التي رسمتها له، فأنه كان شديد التلون، عصبي المزاج، فكنت أخشى أن تنهار كل آمالي التي بنيتها عليه. أنه حين أردت أن أفارقه كان يروم الذهاب إلى الاستانة للتطلع عليها لكني منعته عن ذلك أشد المنع وقلت له أخاف أن تقول هناك شيئا ما يوجب أن يكفروك ومصيرك حينذاك القتل. قلت له هكذا ولكن كان في نفسي شيء آخر، وهو أن يلتقي ببعض العلماء هناك، فيقوّموا معوّجه ويرجعونه إلى طريق أهل السنة فتنهار كل آمالي. ولما كان الشيخ محمد لا يريد الإقامة في البصرة، أشرت عليه أن يذهب إلى (أصفهان وشيراز)، فإن هاتين المدينتين جميلتين، وأهاليها من أهل الشيعة، ومن المستبعد أن تؤثر الشيعة في الشيخ، وقد كنت بذلك أمنت أنحرافه. وعند مفارقتى للشيخ قلت له: هل أنت تؤمن بالتقية؟ قال نعم، فقد أتقى أحد أصحاب الرسول (وأظنه قال أنه مقداد) حين أضطهده المشركون، وقتلوا أباه وأمه فأظهر الشرك وأقره على ذلك رسول الله. قلت له: إذن إتق من الشيعة ولا تظهر لهم إنك من أهل السنة لئلا تقع عليك كارثة، وتمتع ببلادهم، وتعرف على عاداتهم وتقاليدهم، فإنه ينفعك أشد النفع في مستقبل حياتك
وقد زودت الشيخ حين أردت مفارقته بكمية من المال بعنوان (الزكاة) وهي ضريبة إسلامية تؤخذ لصرفها في مصالح المسلمين، كما وقد اشتريت له (دابة) للركوب بعنوان الهدية وفارقته. ومنذ مفارقتى له لم أعلم مصيره، وكنت قلقا لذلك أشد القلق، وقد اتفقنا أن نرجع كلانا إلى البصرة، وإذا رجع أحدنا ولم يجد صاحبه، يدع مكتوبا عند عبدالرضا يخبر فيه صديقه عن حاله
بعد مدة من مكوثي في (بغداد) أتتني الأوامر بضرورة التوجه إلى (لندن) فورا فتوجهت إليها، وهناك اجتمع بي السكرتير وبعض أعضاء الوزارة وأخبرتهم بمشاهداتي وما عملته في سفرتي الطويلة. ففرحوا بمعلوماتي عن العراق أشد الفرح وأبدوا إرتياحهم لها. وكان قد سبق إليهم تقريري عن الرحلة، وظهر لي فيما بعد أن صفية قرينة (الشيخ محمد عبدالوهاب) في البصرة أيضا كانت قد كتبت إليهم مما يطابق تقاريري. كما تبين أيضا أن الوزارة كانت تراقبني في كل سفرة، وأن المراقبين كتبوا عني تقارير مرضية، ومصدقة لما كتبت في تقريري، وِلما قلت عند مقابلة السكرتير
وضع لي السكرتير موعدا للاجتماع بنفس الوزير، ولما زرته رحب بي ترحيبا حارا يختلف عن ترحيبه السابق عندما عدتُ من الاستانة إلى لندن، وظهر لي أنني شغلت من قلبه مكانا لائقا. وقد أبدى الوزير إرتياحه الكبير من السيطرة على محمد، وقال: أنه ضالة الوزارة، وأكد علي مكررا بأن أعاهده بكل أنواع المعاهدة، وقال أنك لو لم تحصل في كل اتعابك إلا على الشيخ، كان ذلك جديرا بكل تلكم الاتعاب. وحيث مجموع أيام سعادتى لم يترك عندى من السعادة ما تركته عندى أيام الشفاء من المرارة
راجعت الوزارة لأخذ الأوامر بشأن المستقبل، وكان باستقبالي السكرتير بطلعته الوسيمة، وثغره الباسم، وطوله الفارع، وصافحني مصافحة حارة لمست منها كل معاني الأخوة. وقال لي: لقد أمرني الوزير شخصيا كما خولتني اللجنة الخاصة بشؤون المستعمرات أن أطلعك على سرين هامين جدا، وذلك لكي تستفيد منهما في المستقبل، ولا يطلع على هذين السرين إلا قلائل من الذين يعتمد عليهم. ثم أخذ بيدي وأدخلني إحدى غرف الوزارة، ورأيت فيها عجبا، فهناك مائدة مستديرة حولها عشرة رجال (أحدهم) في زى السلطان العثماني وهو يتكلم التركية والانجليزية، (والثاني) في زي شيخ الإسلام في الاستانة، (والثالث) في زي الملك الفارسي، (والرابع) في زى عالم البلاط الشيعي، (والخامس) في زي عالم التقليد لأهل الشيعة في النجف. وهؤلاء يتكلمون باللغتين الفارسية والإنكليزية. وعند كل واحد من هؤلاء الخمسة كاتب من الكتاب يكتب مايقول، كما أنه هو بنفسه الطريق إلى أحد الخمسة حيث يزوده بالمعلومات التي تجمعها العملاء حول هؤلاء الخمسة من الاستانة و فارس و النجف
قال السكرتير: إن هؤلاء الخمسة يمثلون أولئك الأصليين، صنعناهم على أمثلتهم لنرى كيف يفكر أولئك الخمسة، فإننا نزود هؤلاء الخمسة بالمعلومات التي تصلنا من الاستانة وطهران والنجف، وهؤلاء يجعلون من أنفسهم بمنزلة أولئك الخمسة الأصليين، ثم يجيبوننا عن كل ما نسألهم. وقد لاحظنا أن نتائج تفكير هؤلاء الخمسة تطابق سبعين في المئة تفكير أولئك الأصليين. وقال السكرتير: إن شئت جرّب الأمر فإنك قابلت عالم النجف
قلت حسنا حيث كنت قد سألت بعض المسائل عن مرجع التقليد في النجف. تقدمت إلى البدل وقلت له: مولانا هل يجوز لنا نحن الشيعة أن نحارب الحكومة لأنها حكومة سنية شديدة التعصب؟
تروى البدل قليلا وقال: لا يجوز لنا محاربتهم لأنهم سنة فإن المسلمين أخوة، ولكن يجوز لنا محاربتهم لأنهم يضطهدون الأمة، وذلك من باب الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، حتى يرفعوا أيديهم عن إضطهادنا، وحينذاك نتركهم وشأنهم
قلت: مولانا ما رأيكم في نجاسة اليهودي والنصراني؟ فهل هم أنجاس أم لا؟
قال البدل: نعم أنهم أنجاس يجب الاجتناب عنهم
قلت: ولم؟
قال: هذا من باب المقابلة بالمثل فأنهم يروننا كفارا، وأنهم يكذبون نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم، وكذلك نحن نقابلهم بالمثل
قلت له: مولانا أليست النظافة من الإيمان؟ فلماذا رأيت قذارة الصحن الشريف والشوارع والأزقة؟ حتى أني رأيت القذارة في المدارس العلمية أيضا
قال: النظافة لا شك أنها من الإيمان ، ولكن ماذا نصنع بقلة المياه وعدم اهتمام الحكومة بالنظافة؟
كانت المفاجأة في أجوبة البدل أنها كلها كانت مطابقة لأجوبة العالم المرجع في النجف بدون زيادة او نقيصة، لكن كانت إضافة جملة (وعدم إهتمام الحكومة بالنظافة) في الجواب الثالث زيادة من البدل، حيث لم يذكرها الأصيل، وقد دهشتُ أيما دهشة لهذه البديلة المطابقة للأصل، فقد أجابني المرجع في النجف حيث سألته عن هذه الأسئلة بنفس هذه الاجوبة، وكان البدل يتكلم باللغة الفارسية كما كان المرجع في النجف يتكلم باللغة الفارسية أيضا
قال لي السكرتير: ولو كنت واجهت الأربعة الأصليين الآخرين وتكلمت معهم، لكان لك أن تتكلم مع هؤلاء الإبدال لترى كيف أن هؤلاء الأبدال مثل أولئك الأصليين. قلت: إني أعرف كيفية تفكير شيخ الإسلام، لأن استاذي (الشيخ أحمد أفندم) نقل لي جملة وافية عنه. قال لى السكرتير: تفضل وتكلم مع البدل عنه. فتقدمت من البدل وقلت له: أفندم هل تجب طاعة الخليفة؟
قال: نعم يا ولدي مثل وجوب طاعة الله ورسوله
قلت: أفندم بأي دليل؟
قال: ألم تسمع قول الله تعالى أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم
قلت: أفندم إذا كان الخليفة أولي الأمر فكيف يأمرنا الله بطاعة (يزيد)؟ الذي أباح المدينة المنورة لجيشه، وقتل الحسين سبط رسول الله، وكيف يأمرنا الله بطاعة (الوليد) الذي كان يشرب الخمر؟
قال البدل: يا ولدي أن (يزيد) كان أمير المؤمنين من قبل الله تعالى وقد أخطأ في قتله الحسين وتاب، وأما أباحته للمدينة المنورة فقد كانت صحيحة لأنهم طغوا وبغوا وخلعوا الطاعة، وأما الوليد فكان يشرب الممزوجة بالماء والتي لا توجب له السكر وذلك جائز بالإسلام
لقد كنت سألت هذه الاسئلة من شيخي (أحمد أفندم) وكان جوابه بنفس الأجوبة باختلاف يسير .
قلت للسكرتير بعد هذه المقابلة: وما فائدة هذه التمثيلية؟
قال: انا نعرف كيف يفكر السلاطين وعلماء المسلمين سنة وشيعة، ونضع الحلول المناسبة لمعاكستهم في القضايا السياسية والدينية، (مثلا) إذا عرفت أن عدوك يأتي من طرف المشرق كنت وضعت جنودك في ذلك الطرف لصده، وأما إذا لم تكن تعرف من أين يأتي العدو فقد تبعثر جنودك في كل إتجاه، وكذلك إذا عرفت وجه استدلال المسلم على مذهبه ودينه، تمكنت أن تضع الأجوبة الجاهزة لرده فتكون تلك الأجوبة كافية لخلخلة عقيدة المسلمين. ثم ناولني السكرتير كتابا ضخما من ألف صفحة فيه نتائج المناقشات والخطط التي جرت بين هؤلاء الخمسة الأصليين والخمسة الأبدال في الشؤون العسكرية والمالية والثقافية والمدنيية، وحملت الكتاب معي إلى الدار وقرأته من أوله إلى آخره في ثلاثة أسابيع مدة أجازتى وأمرني بإرجاع الكتاب بعد المطالعة، وعند قراءتي للكتاب دهشتُ لما حواه من الرد ودقة المناقشات وكأنها واقعية فكانت مطابقة الأجوبة – حسب معلوماتي – أكثر من سبعين بالمائة وإن كان السكرتير سبق وأن قال لي أن الأجوبة الصائبة من التمثيلية زهاء سبعين بالمائة. وقد ازددت وثوقا بمقدرة حكومتي وعلمت يقينا أن الإمبراطورية العثمانية مشرفة على الزوال في أقل من قرن حسب ما قدره الكتاب
قال السكرتير لي: وهناك غرف أخرى فيها نظير هذه التمثيلية بالنسبة لسائر البلاد التي هى مستعمرة بأيدينا، أو ما تقصد الحكومة إستعمارها فيما بعد. قلت للسكرتير: من أين تحصلون على هؤلاء الأبدال بهذه الدقة والمقدرة؟
قال: إن عملاءنا في كافة البلاد يزودوننا بكافة المعلومات بصورة مستمرة وهؤلاء الأبدال أخصائيون في هذه الناحية، ومن الطبيعى أنك إذا حصلت على معلومات كافية خاصة كما يعلمها (فلان) يكون نوع تفكيرك وإستنتاجاتك مثل تفكيره وإستنتاجاته، إذ تكون حينذاك نسخة طبق الأصل منه، وهذا هو السر الأول الذي أمرني الوزير إيقافك عليه. وأما السر الثاني فسوف أطلعك عليه بعد شهر حيث أتممت هذا الكتاب. ويقصد الكتاب ذا الألف صفحة الذي تقدمت الإشارة إليه
لقد طالعت الكتاب بدقة وإمعان من الجلد إلى الجلد، وظهرت لي آفاق جديدة من المعرفة بأوضاع المحمديين كما ظهرت لي كيفية تفكيرهم، وأنهم كيف متأخرون وأن نقاط الضعف فيهم ماهي، كما ظهرت لي نقاط القوة في المسلمين وأنه كيف يلزم العمل لهدمها و تبديلها بنقاط الضعف
فمن نقاط الضعف فيهم: الاختلاف بين السنة والشيعة، والاختلاف بين الحكام والشعوب، والاختلاف بين حكومتي (الأتراك والفرس) والاختلاف بين العشائر، والاختلاف بين العلماء والحكومة
ومن نقاط الضعف فيهم: الجهل والأمية التي تكاد تستوعب كل المسلمين إلا نادرا
ومن نقاط الضعف فيهم: خمول الروح وذبول المعرفة وفقدان الوعي
ومن نقاط الضعف فيهم: ترك الدنيا كليا والتعلق بالآخرة والعمل لها وحدها
ومن نقاط الضعف فيهم: دكتاتورية الحكام والاستبداد الشامل
ومن نقاط الضعف فيهم: عدم أمن الطرق وإنقطاع المواصلات إلا بقدر قليل
ومن نقاط الضعف فيهم: تدهور الصحة العامة حتى أن الطاعون والوباء يجتاحان البلاد بصورة مستمرة تقريبا يجرفان عشرات الألوف في كل وجبة
ومن نقاط الضعف فيهم: خراب البلاد وانسداد الأنهر وقلة المزارع
ومن نقاط الضعف فيهم : الفوضى في كل شؤون الإدارة فلا نظام ولا مقاييس ولا موازين ولا قوانين، فأنهم وإن كانوا كثيري الاعتزاز بالقرآن إلا أن العمل بقوانينه يكاد يكون معدوما
ومن نقاط الضعف فيهم: تدهور الاقتصاد تدهورا مشينا فالفقر في كل مكان .
ومن نقاط الضعف فيهم: عدم وجود جيوش نظامية بمعنى الكلمة وعدم وجود السلاح الكافي، ورداءة الموجود منه
ومن نقاط الضعف فيهم: إحتقار المرأة وهضم حقها
ومن نقاط الضعف فيهم: الوساخة والقذارة في الأسواق والشوارع والأجسام وفي كل مكان
القسم الثالث
وقد كان الكتاب يذكر بعد كل نقطة ضعف أن قانون الإسلام بالعكس، فاللازم إبقاء المسلمين في جهلهم حتى لا ينتبهوا إلى حقيقة دينهم، فقد ذكر الكتاب أن الإسلام
يأمرهم بالاتحاد والألفة ونبذ الفوارق، ففي القرآن - واعتصموا بحبل الله جميعا
ويأمرهم بطلب العلم، ففي الحديث - طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة
ويأمرهم بالوعي، ففي القرآن - فسيروا في الأرض
ويأمرهم بطلب الدنيا، ففي القرآن - ومنهم من يقول ربنا أتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة
ويأمرهم بالمشورة، ففي القرآن - وأمرهم شورى بينهم
ويأمرهم بتأمين السبل، ففي القرآن - فامشوا في مناكبها
ويأمرهم بمعاهدة أبدانهم وصحتهم، ففي الحديث - إنما العلوم أربعة: علم الفقه لحفظ الأديان، وعلم الطب لحفظ الأبدان، وعلم النحو لحفظ اللسان، وعلم النجوم لحفظ الأزمان
ويأمرهم بالعمران، ففي القرآن - وخلق لكم مافي الارض جميعا
ويأمرهم بالنظام، ففي القرآن - من كل شيء موزون
ويأمرهم بقوة الاقتصاد، ففي الحديث - من لا معاش له لا معاد له
ويأمرهم بقوة الجيش والسلاح، ففي القرآن - وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة
ويأمرهم باحترام المرأة، ففي القرآن - ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف
ويأمرهم بالنظافة، ففي الحديث - النظافة من الإيمان
أما نقاط القوة التي ذكرها الكتاب وأمر بهدمها فهي
أنهم لا يعيرون الاهتمام بالقوميات، والإقليميات واللغات والألوان وسوابق البلاد
وتحرم عندهم الربا، والاحتكار، والبغاء، والخمر، والخنزير
ويتعلقون بعلمائهم أشد التعلق
ويحترم طائفة كبيرة من السنة (الخليفة) ويعتبرونه مثالا للرسول تجب طاعته كما تجب طاعة الله والرسول
ويوجبون الجهاد
ويرى أهل الشيعة نجاسة غير المسلم مهما كانت عقيدته
ويعتقدون أن الإسلام يعلو ولا يعلى عليه
ويرى أهل الشيعة حرمة بناء الكنائس في بلاد المسلمين
ويرى أكثر المسلمين وجوب إخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب
ويمارسون العبادات (الصلاة _الصوم _الحج) ونحوها ممارسة شديدة
ويرى أهل الشيعة و جوب أعطاء الخمس، بدفعه إلى علمائهم
ويتمسكون بالعقيدة الإسلامية تمسكا شديدا
ويربون أولادهم تربية دقيقة على طريقة الآباء والأجداد، حتى ليستحيل الفصل للأبناء عن الآباء
والمرأة عندهم في حجاب شديد حتى لا يمكن تسريب الفساد إليها
وعندهم صلاة الجماعة التي تجمعهم في كل يوم مرات
وعندهم المقابر للنبي وآله والصالحين فتكون مركز تجمعهم وانطلاقهم
وفي أوساطهم كثرة من المنتسبين إلى الرسول (وأولاده) فتذكر بالرسول، ويجعل الرسول حيا في أعينهم
وعند أهل الشيعة (الحسينيات) التي تجمعهم في مواسم خاصة فيقوى الواعظ الإيماني في نفوسهم ويحرضهم على العمل الصالح
وعندهم يجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
وعندهم استحباب الزواج وكثرة النسل وتعدد الزوجات
وعندهم أن من هدى إنسانا إلى الإسلام كان له خير من أن يملك كل الدنيا
وعندهم أن من سن سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها
وعندهم تقيم كبير للقرآن الكريم والحديث وإتباعها يوجب الجنة والثواب
ثم أوصى الكتاب بتوسيع نقاط الضعف وطمس نقاط القوة، وذكر الأدلة الكافية لكيفية ذلك. يقول الكتاب في ما يمكن أن يعمل من أجل توسيع نقاط الضعف الآتي
إن الاختلافات يمكن تكبيرها بتكثير سوء الظن بين الفئات المتنازعة ونشر الكتب التي تطعن في هذه الفئة وتلك الفئة، واللازم بذل المال الكافي في سبيل التخريب والتفرقة
والجهل يمكن إبقاؤهم عليه بالمنع عن فتح المدارس ونشر الكتب، وإحراق ما يمكن إحراقه من الكتب، وصرف الناس عن إدخال أولادهم في المدارس الدينية بتلفيق الاتهامات ضد رجال الدين
ويمكن إبقاؤهم في حالة ألا وعي بتزيين الجنة أمامهم وأنهم غير مكلفين بالحياة الدنيا، وتوسيع حلقات التصوف، وترويج الكتب الآمرة بالزهد مثل كتاب (أحياء العلوم) للغزالي ومنظومات (المثنوي) وكتب (ابن العربي ).
ويمكن تقوية دكتاتورية الحكام ببيان أنهم ظل الله في الارض وأن أبا بكر وعمر وعثمان وعليا وبني أمية وبني العباس كلهم جاؤوا إلى الحكم بطريق القوة والسيف وحكموا فرديا (فابو بكر) جاء للحكم بسيف عمر وإرهابه وإحراقه للبيوت التي لم ترضخ للطاعة كبيت فاطمة بنت محمد .
وعمر جاء إلى الحكم بوصية أبي بكر. وعثمان جاء إلى الحكم بأمر عمر. وعلي جاء إلى الحكم بانتخاب الثوار له. ومعاوية جاء إلى الحكم بالسيف، ثم توارث بنو أمية الحكم والسفاح جاء إلى الحكم بالسيف، ثم توارث بنو العباس الحكم... كل ذلك دليل على أن الحكم في الإسلام دكتاتوري
ويمكن الإبقاء على عدم أمن السبل بإلهاء الحكام عن معاقبة اللصوص وتقوية جانب اللصوص وإعطائهم السلاح وإغرائهم بالعمل المستمر في طريق اللصوصية والغش
ويمكن الإبقاء على حالتهم ألا صحية بنشر مذهب (القدر) فيهم وأن كل ذلك من الله، فلا فائدة من العلاج، ألم يقل الله تعالى في القرآن (الذي هو يطعمني و يسقيني وإذا مرضت فهم يشفيني) وألم يقل (والذي يميتني ثم يحييني) فالشفاء بيد الله، والموت بيد الله فلا سبيل للشفاء بدون إرادته ولا مهرب من الموت الذي هو قضاء الله و قدره
والإبقاء على الخراب يساعد بما ذكرناه سابقا
ويمكن الإبقاء على الفوضى ببيان أن الإسلام دين العبادة ولا نظام فيه ولذا لم يكن لمحمد ولا لخلفائه وزراء ولا أنظمة ولا إدارات ولا قوانين
أما تدهور الاقتصاد فهو نتيجة طبيعية لما تقدم من التدهورات ويمكن زيادته بإحراق المحاصيل، وإغراق البواخر التجارية وإحراق الأسواق وكسر السدود بإستيلاء الماء على المزارع، وعلى البلاد و إلقاء السم في المشارب العامة
ويمكن إلهاء الحكام في الفساد والخمر والقمار، وبتبذير الأموال في الأمور الشخصية لكي لا يبقى المال الكافي للسلاح ولأرزاق الجيش
ويمكن إشاعة أن الإسلام أحتقر المرأة أليس في القرآن (الرجال قوامون على النساء) وأليس في السنة المرأة شر كلها؟
أما الوساخة والقذارة فهى نتيجة طبيعية لشح الماء فاللازم الحيلولة دون زيادة الماء في البلاد بأي اسم كان. أما ما أوصاه الكتاب عن طمس نقاط القوة فقد أوصى الكتاب
بلزوم إحياء النعرات القومية، والإقليمية واللغوية واللونية وغير ذلك بين المسلمين، كما أوصى بلزوم جلب إهتمام المسلمين إلى سوابق حضارات بلادهم، وأبطال شخصياتهم قبل الإسلام، كإحياء الفرعونية في مصر، وإحياء الثنوية في فارس، وإحياء البابلية في العراق إلى آخر القائمة الطويلة التي وضعها الكتاب بهذا الشأن
كما يلزم إشاعة الأمور الأربعة التالية: الخمر والقمار والبغاء ولحم الخنزير إن جهرا وإن سرا .
ثم أوصى الكتاب بلزوم التعاون الوثيق مع اليهود والنصارى والمجوس والصابئة الذين يقطنون في بلاد الإسلام في سبيل إحياء هذه الأمور وجعل مرتب من خزينة (وزارة المستعمرات) لأجل الموظفين الذين ينشرون هذه الأمور بين المسلمين. وجعل جوائز وإغراءات لكل من تمكن من أن يوسع من دوائر هذه الأمور الأربعة أكثر فأكثر. وأوصى الكتاب بلزوم حماية ممثلي حكومة بريطانيا العظمى لهذه الأمور علنا و سرا، وضرورة بذل ما يمكن في سبيل إنقاذ كل من يقع تحت وطأة عقاب المسلمين من الذين ينشرون هذه الأمور الأربعة. كما أوصى الكتاب بنشر(الربا) بكل صوره، فأنه بالإضافة إلى أنه هدم للاقتصاد الوطني، يساهم في جرأة المسلمين على خرق قوانين القرآن، ومن خرق قانونا سهل عليه خرق سائر القوانين. وقد أوصى الكتاب أنه من اللازم أن يبين المسلمين أن الحرام (هو الربا المضاعف) حيث يقول القرآن (لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة) وليس الربا بكل صوره حرام
كما يجب تضعيف صلة المسلمين بعلمائهم بإلصاق التهم بالعلماء وإدخال بعض العملاء في زي العلماء، ثم يرتكبون الحرمات ليشتبه كل رجل دين عندهم هل أنه عالم أم عميل
ومن المؤكد إدخال أمثال هؤلاء العملاء في الأزهر والاستانة والنجف وكربلاء، ومن طرق تضعيف صلة المسلمين بعلمائهم فتح المدارس لدراسة أطفال المسلمين بواسطة عملاء الوزارة ليربوا الأطفال على كره العلماء، وعلى كره الخليفة وذكر مساوئه وأنه منشغل بالملذات، وبصرف أموال الشعب في الفساد والترف، فهو ليس مثل الرسول في أي شأن من الشؤون
ويلزم التشكيك في أمر الجهاد، وأنه كان أمرا وقتيا أنقضى بانقضاء زمانه
ويلزم إخراج فكرة نجاسة الكفار عن نفوس أهل الشيعة، وبيان أن الله قال في القرآن (طعامكم حل لهم وطعامهم حل لكم) وأن الرسول كان له زوجة يهودية وهى صفية وزوجة نصرانية وهى مارية، ولا يمكن أن تكون زوجة الرسول نجسة
ويلزم أن يعتقد المسلمين أن قصد الرسول بالإسلام (الدين) سواء كانت يهودية أو نصرانية لا (المحمدية) بدليل أن القرآن يسمي كل أهل دين مسلما ففي القرآن أن يوسف النبي قال توفني مسلما وقال إبراهيم وإسماعيل (ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك) وقال (يعقوب) النبي لبنيه فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون
وكيف تحرم الكنائس والرسول وخلفائه لم يهدموها، بل أحترموها، وفي القرآن (ولولا أن دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات) والصوامع للنصارى، والبيع لليهود، والصلوات للمجوس، والإسلام يحترم محلات العبادة لا أنه يهدمها ويمنع عنها
ويجب التشكيك في حديث (وأخرجوا اليهود من جزيرة العرب) وحديث (لا يجتمع دينان في جزيرة العرب) فأنه لو كان الحديث صحيحا، لم تكن زوجة الرسول يهودية ونصرانية، وزوجة الصحابي (طلحة) يهودية، ولم يفاوض الرسول نصارى نجران
ويلزم صرف المسلمين عن العبادات، والتشكيك في جدواها فإن الله غني عن طاعة الناس، ويلزم المنع أشد المنع عن الحج، وعن كل إجتماع بين المسلمين، مثل (صلاة الجماعة) وحضور مجالس الحسين، والمسيرات الحزينة له، كما يلزم المنع أشد المنع عن بناء المساجد والمشاهد، والكعبة والحسينيات والمدارس
ويجب التشكيك في الخمس وأنه خاص بالغنائم المستحصلة من دار الحرب لا في أرباح المكاسب، ثم الواجب إعطاء الخمس للنبي أو الإمام لا إلى العالم، بالإضافة إلى أن العلماء يشترون بأموال الناس الدور والقصور والدواب والبساتين، فلا يجوز شرعا دفع الخمس إليهم
واللازم توهين صلة المسلمين بالإسلام بالتشكيك في العقيدة وإتهام الإسلام بأنه دين التخلف والفوضى، ولذا تخلفت بلاد الإسلام وكثر فيهم الإضراب والسرقة
والواجب الفصل بين الآباء والأبناء حتى يخرج الأبناء من تحت تربية الآباء وعند ذلك تكون التربية بأيدينا نحن، وإذا خرجوا عن تربية الآباء لابد وأن ينفصلوا عن العقيدة وعن التوجيه الديني، وعن الصلة بالعلماء
ويلزم إغراء المرأة بإخراجها عن العباءة بحجة أن الحجاب عادة بني العباس وليست عادة إسلامية أصيلة، ولذا كان الناس يشاهدون نساء الرسول وكانت المرأة تشترك في كل الشؤون وبعد إخراج المرأة عن العباءة لابد من إغراء الشباب بهن ليقع الفساد بينهما، واللازم أن تخرج النساء غير المسلمات من العباءة أولا حتى تقتدى بهن المرأة المسلمة
ويجب تحطيم صلاة الجماعة بحجة فسق الإمام وإظهار مساوئه وبإثارة البقضاء بين الإمام وبين الذين يصلون معه بكل الوسائل والسبل
وأما المقابر فاللازم هدمها بحجة أنها لم تكن في عصر النبي وأنها بدعة كما أن اللازم صرف الناس عن الزيارات بالتشكيك في كون هذه المقابر الموجودة للنبي والائمة والصالحين، فالنبي دفن عند قبر أمه، وأبو بكر وعمر دفنا في البقيع وعثمان مجهول قبره، وعلي دفن في البصرة، أما في النجف فهو قبر المغيرة ابن شعبة والحسين دفن رأسه في (حناقة) وجسده مجهول القبر، وفي الكاظمية قبر الخليفتين لا قبر الكاظم والجواد من آل الرسول، وفي طوس قبر هارون لا قبر الرضا من أهل البيت، وفي سامراء قبور بني العباس لا قبور الهادى والعسكرى والمهدى من أهل البيت، والبقيع يجب تسويتها مع الأرض كما يجب هدم كل القباب والأضرحة الموجودة للمسلمين في كل بلادهم
أما آل الرسول، فاللازم الطعن في نسبهم والتشكيك في إنتسابهم إلى الرسول واللازم تلبيس غير آل الرسول للعمة السوداء والخضراء ليختلط الأمر على الناس ويسيئوا الظن بآل الرسول، ويشكوا في نسبهم، كما أن اللازم نزع العمائم عن رؤوس رجال الدين والسادة ليضيع نسب آل الرسول ولكى لا يتلقى رجال الدين الاحترام من الناس
والحسينيات يجب هدمها وإتهامها بأنها بدعة وضلالة وأنها لم تكن في عهد الرسول وخلفائه، كما يجب منع الناس عن إرتيادها بكل الوسائل ويجب تقليل الخطباء وجعل ضرائب خاصة على الخطابة يدفعها الخطيب وصاحب الحسينية
واللازم إشراب الحرية إلى نفوس المسلمين فلكل إنسان ما يريد من الأعمال فلا يجب الأمر بالمعروف، ولا النهى عن المنكر، ولا تعليم الاحكام ويلزم إلغائها (عيسى على دينه وموسى على دينه) وأن أحدا لا ينام في قبر أحد وأن الأمر والنهى خاص بالسلطان لا يعم الناس
ويجب تحديد النسل وأن لا يتزوج الرجل أكثر من زوجة واحدة ووضع القيود على الزواج مثل أنه لا يحق لعربي أن يتزوج فارسية، وبالعكس، ولا لتركي أن يتزوج عربية وبالعكس
ويجب أن يمنع منعا باتا التبشير بالإسلام والهداية إليه، وإشاعة أن الإسلام دين قومي ولذا قال القرآن وأنه لذكر لك ولقومك
والسنن الحسنة يجب تضيق نطاقها وجعل أمرها بيد الدولة حتى أنه لا يحق لأحد أن يبني مسجدا أو مدرسة او مأتما أو غير ذلك من السنن الحسنة والصدقات الجارية
كما أن اللازم التشكيك بالقرآن ونشر قوانين مزيفة فيها زيادات ونقائص بحجة أن القرآن زيد فيه ونقص منه، ويلزم إسقاط الآيات التي تسب اليهود والنصارى والكفار، وإسقاط آيات الجهاد والأمر بالمعروف وترجمة القرآن إلى اللغات المحلية كالتركية والفارسية والهندية والمنع عن تلاوة القرآن العربي في غير بلاد العرب، كما يجب منع الأذان، والصلاة والدعاء باللغة العربية في غير بلاد العرب، وكذلك من الضروري التشكيك في الأحاديث المروية وأن يعمل بها كما يعمل في القرآن من التحريف والترجمة والطعن
لقد كان رائعا جدا ما وجدته في هذا الكتاب واسمه (كيف نحطم الإسلام) وكان أفضل برنامج لعملي في المستقبل، وقد قال لي السكرتير [حين أرجعت الكتاب اليه وأبديت إعجابي الشديد به ]:
أعلم إنك لست في الميدان وحدك بل هناك جنود مخلصون يعملون نفس عملك والذين جندتهم الوزارة إلى الآن لهذه المهمة أكثر من خمسة آلاف شخص، وتفكر الوزارة في أن تزيد عددهم إلى مائة ألف، ويوم وصلنا إلى تجنيد هذا العدد، فإنه هو اليوم الذي نستولي فيه على المسلمين كافة ونكون قد نسفنا الإسلام وبلاده نسفا كاملا، (ثم أردف السكرتير) قائلا: وأني أبشرك أن أقصى مدة تحتاجها الوزارة لتكميل هذه الخطة هى قرن من الزمان ولو لم نصل نحن إلى ذلك الزمان فإن أبناءنا سوف يرون ذلك بأم أعينهم وما أروع المثل القائل (غيرى زرع فأكلت وأنا أزرع حتى يأكل غيري) وإذا تمكنت سيدة البحار من نسف الإسلام والاستيلاء على بلاده فقد أرضى العالم المسيحى من تعب اثنى عشر قرنا كان المسلمون يطاردونه، ويهاجمون المسيحين .
وقال السكرتير: إن الحروب الصليبية لم تكن ذات جدوى كما أن (المغول) لم ينفعوا في قلع جذور الإسلام لأن عملهم كان إرتجالا بدون حكمة وتخطيط وكانوا يعملون أعمالا عسكرية ظاهرة العدوان ولذا فأنهم أنحسروا بسرعة (أما الآن) فقد اتجه تفكير القادة من حكومتنا العظمى إلى هدم الإسلام من داخله تحت خطة مدروسة دقيقة وبصبر طويل ونهائى. صحيح انا نحتاج إلى الحسم العسكرى أخيرا لكن الحسم العسكرى سيأتي في المرحلة الأخيرة حيث نكون أنهكنا بلاد الإسلام وضربنا الإسلام بالمعاول في كل جوانبه، حتى صار لا يقوى على تجميع قواه ورد الحرب بالمثل (ثم أردف السكرتير أيضا) أن عظماء الاستانة كانوا على أكبر قدر من الفطنة والذكاء حيث عملوا بنفس الخطة التي قررناها نحن فقد تغلغلوا في أوساط المحمديين ففتحوا المدارس لتربية أولادهم وأسسوا الكنائس في أوساطهم ونشروا بينهم الخمر والقمار والدعارة وشككوا شبابهم في دينهم وأثاروا بين حكوماتهم النزاعات وأشعلوا هنا وهناك الفتن وملؤوا بيوت كبارهم بالحسناوات المسيحيات، حتى ضعفت شوكتهم وقل تمسكهم بدينهم ووهت وحدتهم وألفتهم وإذا بالعظماء يشنون عليهم حروبا عسكرية خاطفة فينقلع الإسلام عن جذوره في تلك البلاد .
أطلعني السكرتير على السر الثاني الذي وعدني به و كنت متلهفا له خصوصا بعد أن ذقت طعم السر الأول ولم يكن السر الثاني إلا وثيقة في خمسين صفحة تتعرض للخطط الرامية إلى تحطيم الإسلام والمسلمين خلال قرن واحد، حتى يكون الإسلام خبرا بعد حقيقة، والوثيقة كانت موجهة إلى الرؤساء العامين العاملين في حقل الوزارة، لأجل هذا الشأن وهى كانت مركبة من بنود أربعة عشر، وقد حذرت الوثيقة من إفشائها وأمرت بكتمانها أشد الكتمان لكى لا يطلع عليها المسلمون فيأخذون الخطط المضادة، وحاصل الوثيقة هو
أولا- التعاون الأكيد مع قياصرة روسيا للاستيلاء على المنطقة الإسلامية من بخاري وتاجكستان، وأرمينيا، وخارسان وما والاها، وهكذا التعاون الأكيد معهم في الاستيلاء على أطراف بلاد الترك المحادة لروسيا
ثانيا- التعاون الأكيد مع فرنسا وروسيا في وضع خطة شاملة لتحطيم العالم الإسلامي من الداخل والخارج
ثالثا- إثارة النزاعات والخلافات الشديدة بين الدولتين التركية والفارسية وإذكاء نار الطائفية والعرقية بين الجانبين، وإشعال النزاعات بين كل متجاورين من القبائل والشعوب الإسلامية وإثارة النزاعات بينها
رابعا- إعطاء قطع من البلاد الإسلامية بيد غير المسلمين (1) يثرب لليهود (2) الإسكندرية للمسيحيين (3) يزد للزرادشت الباريسيين (4) عمارة للصائبة (5) كرمنشاه للذين يؤلهون على بن أبي طالب (6) الموصل لليزيدية (7) خليج فارس للهندوك بعد أن يستوردوا كميات كبيرة من الهند (8) طرابلس للدروز (9) قارض للعلويين (10) مسقط للخوارج (ثم) اللازم تقوية هؤلاء بالمال والسلاح والخطط والخبرة لتكون هذه الفئات أشواكا في جسم الإسلام ثم توسيع بلادها حتى تحطم كل البلاد الإسلامية
خامسا- التخطيط لتبعيض حكومتي الإسلام التركية والفارسية إلى أكبر عدد ممكن من الحكومات المحلية الصغيرة المتنازعة كما هو الحال الآن في الهند، إنطلاقا من قاعدة فرق تسد، وفرق تحطم
سادسا- زرع الأديان والمذاهب المزيفة في جسم بلاد الإسلام واللازم لذلك تخطيط دقيق بحيث يلائم كل دين من تلك الأديان مع هوى جمع من أهل البلاد (مثلا) اللازم زرع أربعة أديان في جسم بلاد الشيعة، دين يعبد الحسين ابن علي ودين يعبد جعفر الصادق، ودين يعبد المهدي الموعود، ودين يعبد علي الرضا، والمكان المناسب للأول (كربلاء) والثاني (أصفهان) الثالث (سامراء) والرابع (خراسان) كما أن اللازم جعل المذاهب الأربعة السنية أديان مستقلة لا ارتباط بعضها ببعض وإعادت الخلافات الدموية بينها، والدس في كتبها حتى يرى كل فئة منهم أنهم المسلمون فقط، وأن ما عداهم كفار يجب قتلهم وإبادتهم
سابعا- نشر الفساد بين المسلمين بالزنا، واللواط، والخمر والقمار، وأفضل وسيلة لذلك هم أصحاب الأديان السابقة الباقية في هذه البلاد، فاللازم أن يكون منهم جيش كثيف لهذه الغاية
ثامنا- الاهتمام لزرع الحكام الفاسدين في البلاد بحيث يكونون آلة بيد الوزارة يأتمرون بأوامرها وينتهون عن زواجرها، والضروري تسريب مـآربنا عبرهم إلى البلاد وإلى المسلمين، وإن أمكن أن يكون الحاكم غير مسلم واقعا فهو أفضل، وعليه فمن الضروري إدخال أفراد في الإسلام صورة ثم إيصالهم إلى مراكز الحكم لتطبيق المأرب بواسطتهم
تاسعا- منع اللغة العربية حسب الإمكان، وتوسيع اللغات غير العربية مثل (السنكريتية) و (الباريسية) و (الكردية) و (البشنو) وإحياء اللغات الأصلية الدائرة في البلاد العربية، وتوسيع نطاق اللهجات المحلية المتفرعة عن العربية، والتي توجب قطع العرب عن اللغة الفصحى التي هى لغة القرآن و السنة
عاشرا- زرع العملاء حول الحكام وإيصالهم إلى رتبة المستشارين لهم حتى يتسنى للوزارة النفوذ فيهم عبر المستشارين، ومن أفضل السبل لذلك العبيد والجواري ذووا الكفاءات العالية فاللازم تربية أولئك في الوزارة ثم بيعهم في أسواق النخاسة إلى المقربين من الحكام، كأولاد الحكام، وزوجاتهم، وذوي الرأي لديهم حتى يتقربوا إلى الحكام تدريجيا، ويكونوا بعد ذلك أمهات الحكام ومستشاريهم، فيحيطوا بهم كالسوار بالمعصم
حادي عشر- توسيع نطاق التبشير بإدخال المبشرين في كل صنف خصوصا المحاسبين والأطباء والمهندسين، ومن إليهم وزرع الكنائس والمدارس، والمصحات ودور الكتب، والجمعيات الخيرية في عرض بلاد الإسلام وطولها ونشر ملايين الكتب المسيحية في أوساط المسلمين مجانا وبلا عوض والاهتمام لوضع التاريخ المسيحى بجانب التاريخ الإسلامي، وزرع العملاء والجواسيس في الأديرة والصوامع باسم الرهبان والراهبات مهمتهم تسهيل الإتصالات والتحركات المسيحية واستطلاع حركات المسلمين وأوضاعهم وشؤونهم (كما) أن اللازم تكوين جيش كثيف من العلماء من أجل تشويه تاريخ المسلمين والدس في كتبهم بعد الاطلاع الكامل على أحوالهم وأوضاعهم
ثاني عشر- تمييع شباب المسلمين بنات وأولادا وتشكيكهم في دينهم وتفسيد أخلاقهم عن طريق المدارس والكتب والنوادي والنشرات والأصدقاء من غير المسلمين الذين يهيئون لهذا الشأن، فمن الضرورى تكوين جمعيات سرية من شباب اليهود والنصارى وغيرهما من أجل أن يكونوا مصائد لصيد شباب المسلمين بكل الطرق
ثالث عشر- إشعال الحروب والثورات الداخلية، والحدودية بين المسلمين وغير المسلمين، وبين المسلمين أنفسهم على طول الزمان لتستنفذ قوى المسلمين وتشغلهم عن التفكير في التقدم، وتوحيد الصف، ولتستنزف طاقاتهم الفكرية ومواردهم المالية وتفني شبابهم وذوي النشاط منهم وتنشر الفوضى والإرباك والشغب فيهم
رابع عشر- تحطيم كل أنواع إقتصادياتهم من مزارع ومعاش وتهديم السدود وطمس الأنهر والسعى لتفشي البطالة فيهم بتنفيرهم عن العمل، وفتح محلات للبطالة وتكثير مستعملي الأفيون وسائر المواد المخدرة
وقد كانت هذه البنود مشروحة شرحا وافيا، ومزودة بالخرائط والصور والأشكال .
شكرتُ السكرتير على تزويده لي بصورة من هذه الوثيقة وبقيت في لندن مدة شهر أخر حتى أتتنا أوامر الوزارة بالتوجه إلى العراق مرة أخرى، لتكميل الشوط مع (محمد عبدالوهاب) وقد أمرني السكرتير بأن لا أفرط في حقه مقدار ذرة حيث قال أنه حصل من مختلف التقارير الواردة اليه من العملاء أن الشيخ أفضل شخص يمكن الاعتماد عليه ليكون مطية لمآرب الوزارة. ثم قال السكرتير: تكلم مع الشيخ بصراحة. وقال أن عميلنا في أصفهان، تكلم معه بصراحة، وقبل الشيخ العرض على أن نحفظه من الحكومات والعلماء الذين لابد وأن يهاجموه بكافة السبل حينما يبدي آرائه وأفكاره، وأن يزوده بالمال الكافي والسلاح إذا إقتضى الأمر ذلك، وأن نجعل له إمارة ولو صغيرة في أطراف بلاده (نجد) وقد قبلت الوزارة كل ذلك
لقد كدتُ أخرج عن جلدى من شدة الفرح بهذا النبأ، قلت للسكرتير: إذن فما هو العمل الآن؟
وبماذا أكلف الشيخ، ومن أين أبدأ؟ قال السكرتير: لقد وضعت الوزارة خطة دقيقة لأن ينفذها الشيخ وهي :
1-) تكفير كل المسلمين وإباحة قتلهم وسلب أموالهم وهتك أعراضهم وبيعهم في أسواق النخاسة، رجالهم جعلهم عبيدا ونسائهم جواري
2-) وهدم الكعبة باسم أنها آثار وثنية إن أمكن ومنع الناس عن الحج وإغراء القبائل بسلب الحجاج وقتلهم
3-) والسعي لخلع طاعة الخليفة، والإغراء لمحاربته وتجهيز الجيوش لذلك، ومن اللازم أيضا محاربة (أشراف الحجاز) بكل الوسائل الممكنة، والتقليل من نفوذهم
4-) وهدم القباب والأضرحة والأماكن المقدسة عند المسلمين في مكة والمدينة وسائر البلاد التي يمكنه ذلك فيها باسم أنها وثنية وشرك والاستهانة بشخصية النبي (محمد) وخلفائه ورجال الإسلام بما يتيسر
5-) ونشر الفوضى والإرهاب في البلاد حسب ما يمكنه
6-) ونشر قرآن فيه التعديل الذي ثبت في الأحاديث من زيادة ونقيصة
قال السكرتير لي بعدما بيّن البرنامج المذكور: لا يهولنك هذا البرنامج الضخم فإن الواجب علينا أن نبذر البذرة وستأتي الأجيال الآتية ليكملوا المسيرة، وقد إعتادت حكومة بريطانيا العظمى على النفس الطويل، والسير خطوة خطوة، وهل محمد النبي إلا رجل واحد تمكن من ذلك الانقلاب المذهل؟ فليكن (محمد عبد الوهاب) مثل نبيه (محمد) ليتمكن من هذا الانقلاب المنشود
بعد أيام استأذنت الوزير والسكرتير، وودعت الأهل والأصدقاء، وحين أردتُ الخروج قال ولدي الصغير: بابا أرجع بسرعة فأنهمرت عيناى، ولم أتمكن إخفاء ذلك عن زوجتى، وقبلتها وقبلتني قبلات حارة، وخرجت قاصدا نحو البصرة، وبعد سفرة مضنية وصلت إليها ليلا، وذهبت إلى دار (عبد الرضا) وكان نائما، ولما رآني رحب بي واستقبلني استقبالا حارا ونمت هناك حتى الصباح وقال لى: إن الشيخ محمد رجع إلى البصرة ثم سافر وأودع عندي كتابا موجها إليك. وفي الصباح قرأت الكتاب وإذا به يخبرني فيه أنه سافر إلى نجد، وقد ذكر عنوان محله في نجد، فسافرت في الصباح وجهة نجد ووصلتها بعد مشقة بالغة وجدت الشيخ محمد في داره، وقد ظهرت عليه آثار الضعف فلم أبح له بشيء، ثم تبين لي فيما بعد أنه تزوج وأنه ينهك قواه مع زوجته، فنصحته بالإقلاع فسمع كلامي، وقد صار القرار أن أجعل نفسي عبدا له قد إشتراه من السوق وأن العبد الآن جاء من السفر، وهكذا كان، فشهر عند أصدقائه أني عبده إشتراه من البصرة وأنه كان في سفر أمره بذلك السفر وأنه جاء الآن، وتلقاني الناس بهذا الاسم وبقيت عنده سنتين